الخميس، 14 مايو 2026

مصاصة دماء برشلونة..ساحرة شريرة أرعبت اسبانيا

 



اياد العطار (كاتب ، مؤسس موقع كابوس ، محب للغموض ، عاشق للتاريخ ، مولع بالقراءة ، يميل للآراء المنطقية رغم ان موقعه بعيد كل البعد عن المنطق ويدعو للمحبة والتسامح رغم انه يكتب عن الجريمة والرعب!):

مصاصة دماء برشلونة..ساحرة شريرة أرعبت اسبانيا



في قصص الفلكلور وأفلام الرسوم المتحركة توجد شخصية الساحرة العجوز الشمطاء التي تمتطي مكنستها السحرية ليلا باحثة عن الأطفال الصغار لتختطفهم وتحملهم معها إلى كوخها المخيف حيث ينتظرهم دائما قدر كبير يغلي بمواد غريبة ، ترمي الساحرة الأطفال فيه كجزء من تحضير وصفاتها السحرية .. يقينا بأنك عزيزي القارئ شاهدت هكذا أفلام في طفولتك ، وربما ارتعبت ، فسارع والداك لطمأنتك قائلين بأنها قصص خيالية لا تحدث إلا في عالم الرسوم المتحركة .. لكن أظنك قد كبرت اليوم كفاية لكي أصدمك بالحقيقة ، نعم هناك ساحرات شريرات! رجاءا لا تضحك من كلامي ، أنا لا أمزح ، اقرأ هذه القصة جيدا وستتأكد بأن ما شاهدته في طفولتك لم يكن وهما ولا خيالا أبدا ، و انه على مدى التاريخ ، كان هناك أطفال يخطفون ليقتلوا ويتم العبث بأجسادهم من أجل السحر والشعوذة.

في نهاية القرن التاسع عشر ، في احد شوارع برشلونة خطت غادة حسناء أول خطواتها داخل المدينة الكبيرة ، لا احد يعلم على وجه الدقة من أين أتت لكنها كانت واحدة من القرويات اليافعات اللواتي يصلن المدينة كل يوم بحثا عن حياة جديدة وفرصة عمل تساعدهن في التخلص من فقرهن المدقع والمزمن ، لكن هذه الأماني والأحلام سرعان ما تتبخر وتضيع في زحام وصخب المدينة الكبيرة ، وغالبا ما ينتهي بهن المطاف إلى مواخير الدعارة ليبعن أجسادهن بأبخس الأثمان ، تكررت هذه القصة منذ القدم ولازالت تحدث ، وبطلة قصتنا انركيتا مارتي ريبولس (Enriqueta Martí iRipollés ) لم تكن استثناء ، في البداية عملت كخادمة لكنها تركت هذه المهنة بعد فترة قصيرة لأن مردودها لم يلبي طموحها وامتهنت الدعارة ، وقد تميزت عن زميلاتها في المهنة في أنها وضعت لنفسها هدفا كبيرا ، رغم أنه هدف سافل! لكنه على كل حال كان حافزا لها للوصول إلى غايتها التي طالما حلمت بها .. المال والثراء. ..



كانت خبيثة بما يكفي لتعرف ما هي البضاعة الرائجة في مهنتها ، ليس النساء! .. لا .. بل الرغبات الشاذة المنحرفة ، فمن أجلها هناك أثرياء ومسئولين ذوي نفوذ على استعداد لدفع مبالغ كبيرة ، وأشد تلك الرغبات دناءة هي اشتهاء الاطفال جنسيا (Pedophilia) وقد بدئت انركينتا بتوفير هؤلاء الأطفال ، لم تخبر أحدا من أين كانت تأتي بهم ، وفي الحقيقة لم يكن مصدر هؤلاء الأطفال مهما بالنسبة للمفترسين ، كان أكثر ما يهمهم هو السرية ، لذلك راحوا يجزلون العطاء لـ انركيتا لقاء خدماتها.



عام 1909 داهمت الشرطة شقة انركيتا لتكتشف داخلها مجموعة من الأطفال والقصر المختطفين من الجنسين ، تتراوح أعمارهم بين 5–15 عام ، ورغم إلقاء القبض عليها متلبسة إلا أنها لم تحاكم وسرعان ما أطلق سراحها عن طريق نفوذ بعض زبائنها.

لا احد يعلم بالضبط متى بدئت انركيتا بقتل الأطفال الذين تختطفهم ، ولا كيف بدء اهتمامها بالسحر ، لكن الأكيد هو أن شغفها الكبير بالمال كان دافعها للمضي في هذا المسلك الشرير ، وقد عرفت ، ربما من خلال بعض زبائنها ، عن وجود اعتقاد موغل في القدم بأن دماء الأطفال وشحومهم لها خواص طبية وسحرية خارقة ، فمن الدم كان السحرة يصنعون إكسير الحب بعد أن يمزجوه بمواد أخرى مذكورة لديهم في وصفات خاصة ، ومن الشحم كان يحضرون زيت يدهن به الجلد فيعيد له شبابه و نظارته. وفي القرن التاسع عشر كان هناك أناس كثيرون يؤمنون بهذه الخرافات ، كانت بعض أغنى وأجمل نساء برشلونة يستعملن هذه المستحضرات ، ورغم أن اغلبهن يعلمن ما هي المواد التي تصنع منها إلا أن ذلك لم يكن ذو أهمية ، فأطفال الفقراء في نظرهن اقل مرتبة من الحيوانات.



حينما يطلع النهار كانت انركيتا تتنكر في ملابس وأسمال رثة أشبه بالمتسولين وتتوجه إلى أكثر أحياء المدينة فقرا ، كانت تبحث عن ضحاياها قرب الكنائس والجمعيات الخيرية حيث يتجمع الأطفال الفقراء من اجل الحصول على كسرة خبز ، وكانت أيضا تراقب الأطفال الذين يلعبون في الشارع بعيدا عن أنظار أهلهم ، كان صيدها المفضل هو الأطفال المشردين واليتامى الذين لا يسأل عنهم احد والذين تتراوح أعمارهم بين 3 – 12 عاما ، عادة ما تقوم بخداعهم بقطعة حلوى أو وعد بوجبة شهية ، وأحيانا تختطفهم عنوة إذا كانوا صغارا بما يكفي ، كانت تحمل فرائسها إلى واحدة من شققها العديدة المبثوثة في أنحاء المدينة.



أما في الليل فكانت انركيتا تتحول إلى دوقة ، ترتدي افخر الثياب وتضع أغلى المجوهرات وتذهب بواسطة عربة فاخرة إلى دار الأوبرا أو المنتديات الاجتماعية الراقية ، هناك كانت تتواصل مع زبائنها من الطبقة العليا وتتعرف على المزيد من الأثرياء وأصحاب المعالي المنحرفين ، وتتقرب أيضا إلى النساء اللاهثات وراء الحب والشباب ، خصوصا من مضى بهن قطار العمر بعيدا ، فتقدم لهن قناني فاخرة مليئة بسوائل مصنوعة من دماء الأطفال ، أما الراغبات ببشرة نضرة وصافية فكانت تمدهن بمستحضراتها المصنوعة من شحوم الأطفال ، و بالمقابل كان هؤلاء الزبائن يقدمون لـ انكريتا المال والحماية.

الضحية الأخيرة في سجل انركيتا الطويل كانت طفلة في الخامسة من عمرها اسمها تريزيتا، اختطفتها عام 1912 بينما كانت تلعب أمام منزلها في إحدى الضواحي الفقيرة ثم نقلتها إلى واحدة من شققها لتحبسها مع طفلة أخرى ، وبينما بدء والدا تريزيتا يجولان بيأس في أحياء المدينة ومراكز الشرطة بحثا عن ابنتهم الصغيرة كانت الطفلة المسكينة قد بدئت تعي ما ينتظرها من مصير اسود ، فقد أخبرتها الطفلة الأخرى المسجونة معها عن طفل صغير كان يلعب معها في الشقة لكن في احد الأيام اصطحبته انركيتا الى المطبخ ومددته على طاولة خشبية ثم ذبحته بالسكين وملئت عدة قناني من دمه وبعدها قامت بتقطيع جسده وإلقاء أشلائه في قدر كبير يغلي لاستخلاص الشحم ، كانت الطفلتان تعلمان بأنهما ستلاقيان ذات المصير ، لكن إرادة السماء كان لها رأي آخر ، فبعد سبعة عشر يوما على اختطاف تريزيتا لاحظت إحدى الجارات عن طريق الصدفة طفلة تحدق نحو الشارع بحزن من خلال الزجاج القذر لنافذة شقة انركيتا ، كانت المرأة تعرف أطفال الحي جميعا ولم تكن قد رأت هذه الطفلة من قبل ، كما ان الطفلة كانت تشبه الأوصاف التي عممتها الشرطة عن البنت المخطوفة ، لذلك قامت المرأة باستدعاء الشرطة.

في 12 شباط / فبراير 1912 فتحت انركيتا باب شقتها لتفاجئ برجلين من الشرطة يسألانها عن وجود طفلة غريبة في بيتها ، بدت انركيتا مضطربة ومترددة في الإجابة مما زاد من شكوك الرجلين بوجود أمر مريب ، فدفعا انركيتا جانبا ودخلا ، وخلف الباب مباشرة شاهدا البنتين ، وعندما سألا انركيتا عنهما أجابت بتلعثم بأن إحداهما ابنتها والأخرى فتاة ضائعة وجدتها في الشارع فأشفقت عليها وجلبتها إلى شقتها ، بدا الجواب غير مقنع ، كما أن نظرات الخوف على وجه الطفلتين وملابسهن الرثة جعلت الرجلين يرتابان أكثر فقررا تفتيش الشقة ، وسرعان ما بدئت تتكشف لهما أشياء مرعبة ، في المطبخ وجدا كيسا فيه ثياب طفل ممزقة ومخضبة بالدم ، و في إحدى الغرف اكتشفوا بقايا بشرية ، شعر و أجزاء من جلد ، قناني من الدم ، أسنان وعظام ، وبقية الغرف كانت تعبق برائحة الموت والجدران و الأرضية مغطاة ببقع من الدم.

بعد رؤية هذه المناظر المروعة سارع الشرطيان إلى اعتقال انركيتا ونقلها مع الطفلتين إلى قسم الشرطة ، وهناك بدئت تتكشف بالتدريج خبايا واحدة من أبشع القضايا الإجرامية في تاريخ برشلونة و اسبانيا ، ففي مخابئها الكثيرة المنتشرة في أنحاء المدينة عثرت الشرطة على أشياء مروعة ، جثث وبقايا بشرية في كل مكان ، ملابس أطفال مدماة ، مخطوطات سحرية قديمة بلغات ورموز غير مفهومة ، قدور كبيرة تستعمل لغلي الأطفال ، وربما كان اهم و اخطر الأشياء التي تم العثور عليها هو سجل يحتوي أسماء و عناوين زبائن انركيتا ، كانت بينهم أسماء رنانة ومشهورة ، وكان الإفصاح عنها سيؤدي الى فضيحة مدوية في البلاد ، ولهذا فأن هذه الأسماء لم تنشر أبدا حيث اختفى السجل فجأة ولم يعثر له على أثر ، نفس الأمر حدث مع انركيتا فلم تحاكم ولا نشرت اعترافاتها كاملة ، وقد زعمت الشرطة لاحقا أنها حاولت الانتحار مرتين ثم وجدت ميتة بعد بضعة أشهر في زنزانتها ‏وقالت إدارة السجن بأنها قتلت على يد سجينات أخريات ، وتم دفنها بسرعة في قبر حقير بإحدى مقابر برشلونة القديمة ودفن معها الى الأبد سر الأشخاص المتنفذين الذين كانت تتعامل معهم.

الطفلة الناجية روزيتا رفقة عائلتها ورجال الشرطة

رغم أن الشرطة حاولت اخفاء تفاصيل جرائم انركيتا إلا أن الصحافة سرعان ما بدأت تنشر تقارير مطولة عنها مطلقين عليها لقب مصاصة دماء برشلونة "la vampira de Barcelona" وهو لقب استحقته بجدارة. وكان الاهتمام بالقضية على أشده حتى أنها طغت على أخبار القلاقل السياسية والأمنية التي كانت تعصف بالبلاد آنذاك. وسرت في البلاد همهمة وشائعات عن وجود عصابات متخصصة بخطف الأطفال وقتلهم فأصيب الناس بالذعر لدرجة أن كثير من العائلات بدأت تمنع أطفالها من الخروج للشارع.

على الرغم من بشاعة جرائمها إلا أن الكثيرين اليوم يعتبرون انركيتا مجرد أداة وان المجرم الحقيقي هو أولئك الأشخاص الأغنياء الذين تجردوا من كل شعور إنساني من اجل تحقيق مأربهم ونزواتهم الدنيئة ، وحتما فأن هؤلاء هم الذين رتبوا لمقتل انركيتا الغامض في السجن لكي لا يفتضح أمرهم ، و أمثال هؤلاء موجودون في كل عصر ، لعل خير مثال قريب هو الثري والمتنفذ الأمريكي جيفري إبستاين الذي كان يقدم الأطفال والقاصرين لأصدقائه من أصحاب المكانة والنفوذ في الولايات المتحدة ، ومن بينهم رؤساء جمهورية ، وقد تم دفن أسراره معه عام 2019 بعدما وجد مشنوقا في زنزانته ، والعجيب أنه في ليلة مقتله أبقوه وحيدا بعدما تم نقل السجين الموجود معه الى زنزانة أخرى ، وكذلك لم يمر السجانين بزنزانته مع انه كان من المفروض أن يفعلوا ذلك كل 30 دقيقة حيث زعموا لاحقا أن النوم غلبهم ، وتم أطفاء كاميرات المراقبة.



هل صدقت الآن عزيزي القارئ حينما اخبرتك أن الساحرات الشريرات لسن محض خيال ، ولا تظن أن قصة انركيتا مجرد حالة فردية ، كلا .. فعلى مدى التاريخ كان هناك نسوة شريرات يمضين في الشوارع بحثا عن ضحايا وأطفال مساكين ليكونوا جزءا من وصفة سحرية تغلي في قدر كبير على النار ، وسأوكد لك كلامي في القصة القادمة .. لكن الآن يلح على بالي سؤالي: يا ترى عندما يسألك طفلك خائفا في المرة القادمة التي يشاهد فيها كارتون الساحرة الشمطاء عن حقيقية وجودها .. ماذا ستخبره؟!...

تحرير ومراجعة : أزيز الصمت.

https://kabbos.com/%d9%85%d8%b5%d8%a7%d8%b5%d8%a9-%d8%af%d9%85%d8%a7%d8%a1-%d8%a8%d8%b1%d8%b4%d9%84%d9%88%d9%86%d8%a9-%d8%b3%d8%a7%d8%ad%d8%b1%d8%a9-%d8%b4%d8%b1%d9%8a%d8%b1%d8%a9-%d8%a3%d8%b1%d8%b9%d8%a8%d8%aa/

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

السلام عليك يا صاحب الزمان وخليفة الرحمن

 السلام عليك يا صاحب الزمان وخليفة الرحمن