المقولة المنسوبة إلى مصطفى محمود تعتبر عبارة أدبية عالية، هي في نفس الوقت قراءة مبكرة لملامح تحوّل حضاري وأخلاقي نراه بوضوح لافت اليوم.
حين يقول: «يأتي زمان يكاد المرء فيه يُجنّ من فرط الوقاحة التي يتحدث بها أهل الباطل» فإنه يشير إلى انقلاب في موازين الخطاب حيث يصبح الجهر بالخطأ فضيلة، ويُقدَّم الباطل بثقة و جرأة، وإذا ما أسقطنا هذا على واقعنا، نجد عدة تجليات
واضحة:
• وسائل التواصل أصبح من السهل لأي صوت بغض النظر عن علمه أو صدقه أن يفرض حضوره ويتصدر المشهد بجرأة وصخب، لا يحتاج فيها إلى حجة وقوة برهان.
• تطبيع الخطأ المستقبح سابقًا، و عرضه تحت عنوان ”حرية شخصية” أو “يقدم” دون مساءلة حقيقية.
• تراجع المعرفة بحيث لم تعد معياراً للإقناع وحل مكانها الثرثرة والمغالطات كميزان للقبول والرفض.
و يتضح من هذا الكلمة عمق نظرة الدكتور مصطفى محمود، إذ لم يكن ينظر إلى واقعه فقط، بل كان يقرأ حالة اجتماعية ممتدًة إلى الزمن البعيد، بأن الباطل حين يفقد حياءه، ويكتسب جرأة الطرح، فإنه يربك المجتمع، لا لأنه أقوى، بل لأن الحق غالبًا يتكلم بوقار، بينما الباطل يصرخ بلا حدود، وهذا ما نراه اليوم ليس لأن الباطل انتصر، بل لأنه أعلى صوتًا وأشد اندفاعًا.
لكن من زاوية اخرى ومن روح مدرسة أهل البيت عليهم السلام التي تعتمد البصيرة لا الانفعال فإن هذه المرحلة ليست نهاية، بل اختبار وتمحيص يميز الله به بين من ينخدع بالمظهر، ومن يبحث عن الجوهر.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق