السبت، 25 أبريل 2026

التفاتة مهمة ، کيف يمکن القول إنّ النبي موسی عليه السلام قد استخلف أخاه لغيبته المؤقتة، ولم يستخلف النبي الکريم صلّی الله عليه وآله وسلّم أحداً لغيبته الأبدية؟!

التفاتة مهمة، کيف يمکن القول إنّ النبي موسی عليه السلام قد استخلف أخاه لغيبته المؤقتة، ولم يستخلف النبي الکريم صلّی الله عليه وآله وسلّم أحداً لغيبته الأبدية؟! 


هذا علی الرغم من أنّ مصادر أهل السنّة أيضاً قد تواترت علی نقل حديث المنزلة الذي يخاطب فيه الرسول الکريم صلّی الله عليه وآله وسلّم الإمام عليّاً عليه السلام قائلاً: "أنت منّي بمنزلة هارون من موسی". والسؤال  هنا: هل تُرک الناس لشأنهم في زمن غيبة الإمام المهدي عليه السلام؟!


امتحانان تعرّض لهما قوم موسی، الامتحان الأول، إضافة عشرة أيام أخری لمهلة الثلاثين يوماً التي وعدهم موسی عليه السلام إيّاها، والامتحان الثاني، عجل السامريّ، حيث يقول عزّ من قائل: «قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وأَضَّلَهُمُ السَّامِريُّ» [سورة طه : الآية ٨٥].


وذلک عندما خرج موسی إلی ميقات ربّه وقد وعد قومه بثلاثين يوماً ليتلقّی أحکام الله تعالی، ولمّا زاده الله علی الثلاثين عشراً قال قومه قد أخلفنا موسی، فانقطع أملهم بعودته إليهم، فذهبوا کلّ مذهب منحرف. 


وعلی الرغم من غياب موسی في جبل الطور، لکنّ ربّه لم يغب لکي يلتمس قومه في عبادة الأصنام ربّاً. 

المقصود بالإصلاح المذکور في الآية هو إصلاح الشؤون الاجتماعية للمجتمع، لا إصلاح السلوک الشخصي. (والدليل علی ذلک دخول کلمة "أَصلِح"، علی "اُخلُفني").


کما في جميع العصور و الأزمنة، ظهر في عصر موسی عليه السلام مفسدون متآمرون، وهو ما دفع موسی إلی القلق من ناحيتهم وأن يوصي أخاه هارون بالحذر من أن يؤول زمام الأمور إليهم، وبالتالي يتّبع نهجهم عن قصدٍ أو غيره، «ولَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ».


المفاهيم:


١- لا تنزل الکتب السماوية علی الأنبياء فجأة دون أيّة تمهيدات أو استعداد نفسي، إذ إنّ الجدارة والاستحقاق من مستلزمات العبادة والمناجاة العرفانية آناء الليل، «ووَاعَدْنَا مُوسَی ثَلَاثِينَ لَيْلَةً...».


٢- ينبغي ألّا تصرف المسؤوليات الإنسان، حتی علی مستوی القائد، عن العبادة والاعتکاف والخلوة مع الله تعالی، «ووَاعَدْنَا مُوسَی...».


٣- مواقيت الله مع الأنبياء عبارة عن أماکن من قبيل جبل الطور وغار حراء، أمّا الضيافة الإلهية لعباده الصالحين فهي الأدعية والمناجاة، «ووَاعَدْنَا...».


٤- في هدأة الليل، تشتاق النفس للمناجاة، «لَيْلَةً»، العبادة المتواصلة طيلة أربعين يوماً تترک تأثيرات خاصّة علی النفس، «وأَتْمَمْنَاهَا ... فَتَمَّ»، يجب تعيين الآماد والآجال لإنجاز الأعمال، «أَرْبَعِينَ».


٥- في خضمّ تحوّلات النهضة والثورة، يحتاج القائد الجديد أن يمخض الرأي إلی جانب القائد السابق، «وقَالَ مُوسَی لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي...».


٦- لا يجوز أن يخلو المجتمع من قائد، «اخْلُفْنِي»قد أذن الله للأنبياء بتعيين خلفائهم من بعدهم، «اخْلُفْنِي».


٧- علی النبي تعيين إمام وقائد للناس بإذن الله «اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي»، وفي سبيل إصلاح المجتمع «وأَصْلِحْ» وبعيداً عن أيّ انحراف، «ولَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ».


٨- لا يجوز وجود قائدين متزامنين. فهارون عليه السلام کان کأخيه موسی نبيّاً إلّا أنّ القيادة کانت لموسی عليه السلام، «اخْلُفْنِي»؛ (إذن، الإمامة والقيادة شيء آخر يختلف عن النبوّة، من هنا اختار موسی أخاه هارون خليفة ليخلفه في قومه طيلة فترة غيابه عنهم).


٩- لا يکفّ الأنبياء من الإشفاق علی أمّتهم ويرون أنّ مسؤوليتهم تحتّم عدم ترکهم دون قائد ولو لبضعة أيّام، «اخْلُفْنِي»، أهمّ مسؤولية للقائد، إصلاح الأمّة، «وأَصْلِحْ».


١٠- لا ينبغي للقائد الکفء عن دعوی إصلاح الناس حتی وإن جنحوا للفساد أو سعوا إليه، «ولَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ».


١١- الذکری مفيدة بکلّ صورها. فعلی الرغم من أنّ هارون عليه السلام کان نبيّاً إلّا أنّ ذلک لم يمنع أخاه موسی من تذکيره بمسؤوليتين رئيسيتين تقع علی عاتقه: الإصلاح واجتناب الفساد، «وأَصْلِحْ ولَا تَتَّبِعْ...».


١٢- لا يمکن إصلاح المجتمع بالعناصر الفاسدة واتّباع المفسدين، «وأَصْلِحْ ولَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ» ، المجتمع بحاجة إلی قائد مصلح «وأَصْلِحْ»، قائد لا يذعن أبداً لآراء المفسدين ومؤامراتهم، «ولَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ».


*** *** *** *** ***


وهكذا تكشف الآية عن سنّةٍ إلهيّةٍ ثابتة: أنّ طريق القرب لا يُمنح دفعةً واحدة، بل يُبنى عبر محطات  من المجاهدة والانتظار والامتحان، وأنّ القيادة ليست فراغاً يُترك، بل أمانةٌ تُسلَّم وتُصان، وأنّ الغياب الجسدي للقائد لا يعني أبداً غياب الهداية الإلهية.


فبين ثلاثين ليلةٍ أُضيفت إليها عشر، حيث تتجلّى حقيقة الإنسان حين يُمتحن بالصبر قبل الوصول، وبالثبات عند تأخّر الموعود. وهنا يسقط من تعلّق بالزمن، وينجو من تعلّق بالحقّ.


كما أنّ في استخلاف هارون درساً خالداً: أنّ الإصلاح هو جوهر القيادة، وأنّ أخطر ما يهدّد المجتمعات ليس غياب القائد فحسب، بل تسلّل المفسدين إلى موقع القرار، أو الانجرار خلفهم تحت ضغط الواقع.


إنّها آية ترسم ملامح الطريق: عبادةٌ تُنضج الروح، وقيادةٌ تُحصّن المجتمع، وامتحانٌ يكشف معادن الناس. فمن لم يثبت في “العشر الزائدة”، لن يثبت أمام “عجل السامري”، ومن لم يعرف قيمة “الاستخلاف”، تاه في زمن الغيبة وظنّ أنّ السماء قد انقطعت، وما انقطعت، ولكن القلوب هي التي تنقطع.


فالنجاة كلّ النجاة في أن يبقى الإنسان مع خطّ الإصلاح، ثابتاً على العهد، لا تغرّه المهل، ولا تفتنه تقلب الأمور  ، مستمسكاً بهدى الله، منتظراً وعده، وهو على يقينٍ أنّ خلف كلّ ميقاتٍ إلهيٍّ حكمة، وخلف كلّ امتحانٍ اصطفاء.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

السلام عليك يا صاحب الزمان وخليفة الرحمن

 السلام عليك يا صاحب الزمان وخليفة الرحمن