السبت 28 فبراير 2026 - 08:49 م
شيرين الكردي:
قبل ظهور كليات الحقوق.. حكاية )الغلباوي( الذي انتزع البراءة بلسانه وأدخل
نفسه السجن!
الغلباوي
في مصر ما قبل عام
1868م، لم تكن هناك كليات
للحقوق ولا مكاتب محاماة تحمل لافتات رسمية، بل كان
المشهد القانوني مختلفًا تمامًا، أمام المحاكم الأهلية والشرعية، جلس
رجل داخل كشك خشبي صغير، يحمل سلاحًا واحدًا لا يُقهر: لسانه.
إنه «الغلباوي»؛
الشخصية التي سبقت المحامي المعاصر، وأرهقت القضاة، وأضحكت الناس، وخلّدت اسمها في
الذاكرة الشعبية.
قبل تأسيس أولى مؤسسات
التعليم القانوني النظامي في مصر، وعلى رأسها مدرسة الحقوق،
كان المتقاضي الذي يقع في مأزق قانوني يلجأ إلى «الغلباوي».
لم يكن الرجل يحمل
شهادة أكاديمية، لكنه غالبًا ما كان أزهريًا ملمًّا بعلوم الفقه
والشرع والعُرف، ويملك قدرة هائلة على الجدل والمراوغة وإطالة النقاش.
سلاح الغلباوي لم يكن
نصوصًا مكتوبة أو مراجع قانونية منظمة، بل «طول النفس»، يقف
أمام القاضي ساعات، ينسج العبارات، ويدور حول التفاصيل، ويقلب
الوقائع من كل زاوية، حتى شاع بين الناس مثل ساخر يقول: «لو كنت تنشد
البراءة.. فليس لك إلا الغلباوي!».
- براءة
للمتهم.. وحبس للمحامي!
ومن شدة إلحاحه
ومشاكسته، كان بعض القضاة يفقدون صبرهم، فيصدر حكمًا طريفًا أصبح
جزءًا من الحكايات المتداولة: «حكمت المحكمة ببراءة المتهم.. وحبس الغلباوي
أربعًا وعشرين ساعة تأديبًا له!».
وهكذا يخرج المتهم
حرًا طليقًا، بينما يدخل مدافعه السجن بدلًا منه، عقابًا على
إطالة الجدل وإرهاق منصة القضاء، المفارقة أن العامة لم يكونوا يثقون في
الغلباوي الهادئ الذي يقدم دفوعه بوقار، بل كانوا يفضلون «الثّرثار» كثير
المشاكسة، معتبرين أن كثرة الكلام دليل على بذل الجهد واستحقاق الأجر.
- شعار
تسويقي سابق لعصره
ومع احتدام المنافسة
بين الغلابية، لجأ بعضهم إلى حيلة دعائية مبتكرة، فكتب على لافتة أعلى كشكه عبارة
جذابة:
«الدفع لا يتم إلا بعد البراءة
والفرج».
صيغة تسويقية مبكرة
تعكس ثقة أو مغامرة صاحبها، وتستميل قلوب البسطاء الباحثين عن الأمل.
نهاية المهنة وبقاء المصطلح
مع تأسيس مدرسة الحقوق
وبدء تنظيم مهنة المحاماة على أسس علمية حديثة، تراجعت مهنة الغلباوي تدريجيًا حتى اندثرت،
لكن الكلمة نفسها لم تختفِ؛ فقد بقيت في قاموسنا العامي، نصف بها كل من
يجادل كثيرًا، أو يناور بحديثه، أو يحاول قلب الحقائق ببلاغته.
وهكذا تحوّل
«الغلباوي» من شخصية كانت تملأ ساحات المحاكم صخبًا، إلى مصطلح ساخر في الحياة
اليومية، يذكرنا بمرحلة انتقالية في تاريخ العدالة المصرية، حين كان اللسان أطول
من القوانين المكتوبة، وكانت البراءة أحيانًا
تُنتزع بالكلمات قبل النصوص.
%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%84%D8%A8%D8%A7%D9%88%D9%8A(%20%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%8A%20%D8%A7%D9%86%D8%AA%D8%B2%D8%B9%20%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A9%20%D8%A8%D9%84%D8%B3%D8%A7%D9%86%D9%87%20%D9%88%D8%A3%D8%AF%D8%AE%D9%84%20%D9%86%D9%81%D8%B3%D9%87%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%AC%D9%86!.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق