الجمعة، 6 مارس 2026

صمتُ البحيرة القاتل حين استيقظت (نيوس) ونامت القرى للأبد

 



عاشقة القدس المحتلة:

صمتُ البحيرة القاتل حين استيقظت (نيوس) ونامت القرى للأبد



تخيل عزيزي القارئ أن تستيقظ لتجد كل من حولك جثث هامدة...

تخرج لطلب النجدة فتُصعق بالمشهد...

كل البشر جثث، حتى الحيوانات و الطيور...

بداية تشويقية لـ فيلم خيال علمي أليس كذلك؟

للأسف ليس فيلمًا؛ و إنما حادثة حقيقية وقعت في الكاميرون.

في أعماق القارة السمراء، وتحديداً في مرتفعات الكاميرون الخضراء، (شمال غرب الكاميرون تقع ضمن منطقة جبلية بركانية تُعرف باسم "خط الكاميرون البركاني").

كانت قرية "سوبوم" وقرى أخرى مجاورة تعيش هدوءاً ريفياً هانئاً. مزارعون ينهون يومهم الشاق، وأطفال يخلدون للنوم على أحلام غدٍ جديد. لم يكن أحدٌ يعلم أن ليلة 21 أغسطس 1986 ستكون الفصل الأخير في كتاب حياة المئات، وأن الموت لن يأتي بضجيج السلاح أو لهيب النيران، بل سيأتي صامتاً، بارداً، وغير مرئي. تسلل إلى صدور الناس و هم نيام؛ ليترك خلفه قرى كاملة جثثًا هامدة في غضون دقائق...

(الوحش القابع في الأعماق)

خلف الجبال، كانت بحيرة "نيوس" تلمع كمرآة زرقاء فوق فوهة بركان خامد. لكن في قاعها المظلم، كانت الطبيعة تطبخ كارثة كيميائية. لسنوات طويلة، تسرب غاز ثاني أكسيد الكربون من باطن الأرض ليحبس في أعماق المياه تحت ضغط هائل. كانت البحيرة بمثابة "زجاجة مياه غازية" عملاقة ومضغوطة، تنتظر هزة واحدة ليتفجر مكنونها.



ليلة (الإنفجار الصامت)

21 أغسطس 1986 في ساعة متأخرة من الليل، حدث ما لم يكن في الحسبان.

سُمع دويّ انفجار مكتوم تبعه تصاعد لعمود ضخم من الماء و الغاز وصل إرتفاعه لـ 100متر!.

ربما بسبب انزلاق صخري أو هزة أرضية

انطلق من رحم البحيرة ما يقدر بـ 1.6 مليون طن من غاز ثاني أكسيد الكربون نحو السماء، ثم عاد ليرتطم بالأرض لأنه أثقل من الهواء بمقدار مرتين تقريبًا.

لم يصعد للسماء؛ بل انزلق كالسيل فوق حواف البحيرة و تدفق نحو الوديان المنخفضة حيث تقع القرى.

كان "تسونامي غير مرئي" يزحف على الأرض و بسرعة تقارب 50 كم/ساعة، غطى القرى المحيطة. في تلك اللحظة، طُرد الأكسجين تماماً.

لم يصرخ أحد، لم يهرب أحد؛ فالموت كان أسرع من الشهيق والزفير.

لم يكن لدى السكان أي فرصة للمقاومة؛ الغاز عديم اللون و الرائحة، و حين وصل إلى القرى مثل "سوبوم Subum" و "تشا Cha" و "نيوس"، أستبدل الهواء النقي فورًا.

مات الناس وهم في أسرّتهم، فقدوا الوعي في ثوانٍ معدودة.

من كان يطبخ سقط فوق ناره، و من كان يتحدث تجمدت الكلمات في حلقه.

وماتت الماشية في حظائرها، حتى الطيور سقطت من أعالي الأشجار.



"جوزيف  Joseph Nkwain" أحد الناجين

"جوزيف" مزارع يعيش هو و أسرته التي كانت مكونة من زوجته و أبنته الوحيدة.

أستيقظ جوزيف تلك الليلة على صوت الإنفجار، فقام مفجوعًا لا يدري أكان حلمًا أم حقيقة.

لكن قبل أن يدرك ذلك سمع صوتًا غريبًا، صوتٌ يشبه الأنين، كأن أحدهم يصارع شيئًا ما...

فقام مسرعًا إلى غرفة ابنته، فتح باب الغرفة ليجد منظرًا أفقده الوعي؛ وجد جوزيف ابنته تلتقط أنفاسها الأخيرة و يخرج من فهما سائلًا أبيض اللون.

استيقظ جوزيف من إغماءه بعد حوالي 3 ساعات من فقدانه للوعي.

أول ما لاحظه هو الصمت المخيف؛ لم يكن هناك صوت نباح كلاب، ولا أصوات طيور، ولا حتى حفيف الأشجار.

أخرجه من خوفه صوت طرق شديد لباب منزله.

فتح الباب فوجد جاره يقف و ينظر إليه بصمت؛ و كأنه يطمئن عليه، لكن من هول الصدمة لم تُوجد الكلمات.

تذكر جوزيف ذلك المنظر! الذي ظن أنه كابوس و أنتهي...

ذهب بسرعة إلى غرفة ابنته، ليكتشف أنها فارقت الحياة.

ثم ذهب للفرد الأخير في عالمه "زوجته"؛ ليجدها هي الأخرى لحقت بفلذة كبده...

فقد جوزيف وعيه للمرة الثانية، و بعد ساعات أستيقظ جوزيف أمِلًا أن هذا الكابوس أنتهي.

خرج من بيته لـ بيت جاره ليجد نفس المشهد المرعب، الجار ميت هو و أسرته كلها!، ذهب بسرعة لبيت جاره الثاني، ليرى نفس المنظر! كل بيت هرول إليه يجده على نفس الحال.

ظن جوزيف للمرة المائة أنه في حلم، كيف يمكن أن يكون حقيقي!

أكمل جوزيف جولته في القرية بأكملها؛ ليكتشف أن أهل القرية بأكملها أموات...

أخذ جوزيف دراجته النارية و قرر الذهاب للقرية المجاورة؛ لطلب النجدة.

لكن الصدمة .. القرية الثانية أيضًا تحولت لمقبرة جماعية! الحيوانات من حوله جثث.

رأي الماشية (الأبقار) ميتة بالالآف في الحقول دون أي جروح.

كان جوزيف بين مصيرين؛ أن يفقد عقله، أو يموت من هول المنظر.

لكنه قرر الخروج إلى المدينة؛ لطلب المساعدة أو للتأكد أنه لازال يحلم، وصل المستشفي.

و ما أن وصل أمام المستشفي فقد وعيه للمرة الثالثة، بعد إفاقته سرد للأطباء ما حدث لأسرته و أهل قريته.

وصف جوزيف حالته و اللحظات التي تلت إستيقاظه بدقة غريبة.

_ الحالة الجسدية (الأعراض)

عندما حاول جوزيف النهوض، وجد صعوبة بالغة و وصفه حالته كالتالي:

ثقل و تنميل: شعر و كأن جسده مشلول أو "مخدر" تمامًا، و هو تأثير ناتج عن استنشاق تركيز عالٍ من CO2 الذي يثبط الجهاز العصبي.

▪︎ضيق التنفس: شعر بآلام حادة في صدره و كأن رئتيه ممتلئتان بالرمل أو الدخان.

▪︎الرائحة الغريبة: كانت أشبه برائحة تشبه "البيض الفاسد" أو "البارود"، علميًا غاز ثاني أكسيد الكربون عديم الرائحة، لكن العلماء يعتقدون أن الغاز سحب معه كميات ضئيلة من الكبريت من قاع البحيرة، أو أن نقص الأكسجين الحاد الى الدماغ سبب هلاوس شمية.

فورًا قام الأطباء بتبليغ الشرطة، التي تحركت مع سيارات الإسعاف إلى القرية، ليروا أسوء مشهد طُبع في ذاكراتهم للأبد...

بقاء جوزيف على قيد الحياة كان "معجزة طبية"، تفسيرها يكمن في:

▪︎ الإرتفاع: كان منزله في منطقة مرتفعة قليلاً عن بقية المنازل، وبما أن غاز CO_2 أثقل من الهواء، فقد تركز في المنخفضات، مما جعل نصيب جوزيف من الغاز كافياً لإفقاده الوعي ولكن ليس لقتله.

▪︎التهوية: ربما كان هناك تيار هوائي بسيط في غرفته ساعد على تشتيت الغاز بسرعة أكبر من غيره.

كانت شهادة جوزيف نكاين هي المفتاح الذي ساعد العلماء لاحقاً على فهم أن القاتل لم يكن "وباءً" أو "سلاحاً كيميائياً"، بل كان غازاً خانقاً جاء من أعماق الأرض.



(الناجون .. شهودٌ على القيامة)

قصة المزارع "جوزيف" وأمثاله من الناجين القلائل تبدو كأنها مقتبسة من أفلام الخيال العلمي.

أن تستيقظ لتجد نفسك الوحيد الذي يتنفس في عالم من الجثث الهامدة هو قمة الرعب الإنساني.

وصف الناجون شعوراً بالدوار، وروائح تشبه البيض الفاسد (رغم أن الغاز عديم الرائحة، إلا أن شوائب كبريتية كانت معه)، وتقرحات غريبة ظهرت على أجسادهم، كأن الهواء نفسه قد تحول إلى عدو شرس.

_ تعريف مبسط عن القاتل و بداية الأحداث الهادئة "Lake Nyos"

تقع بحيرة "نيوس" فوق فوهة بركان خامد، و هي واحدة من ثلاث بحيرات فقط في العالم تُعرف بأنها "محملة بالكربون" لـقرون!، كان غاز ثاني أكسيد الكربون يتسرب CO² من باطن الأرض و يذوب في قاع البحيرة المظلم.

و بسبب عمقها الشديد (أكثر من 200 متر) و الضغط الهائل، ظل الغاز محبوسًا في الطبقات السفلى دون أن يختلط بالمياه السطحية، تماما كـ قنبلة موقوتة تنتظر صاعق التفجير ...

(التحقيق في الحادثة و رأي الطب الشرعي)

تحول "نيوس" من الأزرق إلى الأحمر

ذُهل المحققون عند وصولهم في اليوم التالي حين أشرقت الشمس، لم تعد البحيرة كما كانت .. تحول لون مياهها من الأزرق الصافي إلى الأحمر الصدئي، وكأنها تعلن عن الجريمة التي ارتكبتها في عتمة الليل.

كان هذا اللون ناتجا عن الحديد الذي صعد من القاع وتأكسد مع الهواء، ليصبح منظراً جنائزياً مهيباً فوق جثث 1746 إنساناً لقي حتفهم في ليلة واحدة.

و من الثروة الحيوانية فقد أُبيدت قطعان كاملة، حيث نفق أكثر من 3,500 رأس من الماشية! بالإضافة إلى آلاف الطيور و الحيوانات البرية و الحشرات.

حتى الغطاء النباتات!

فقد ذبُل الغطاء النباتي القريب من البحيرة و تغير لونه؛ بسبب التركيز العالي للغاز.

وصف حالة الجثث ورأي الطب الشرعي:

كان المسعفون والباحثون أمام مشهداً سريالياً؛ آلاف الجثث ملقاة في الشوارع وداخل المنازل دون أي علامات صراع أو جروح قطعية.

_ المظهر الخارجي: لاحظ الأطباء وجود تقرحات جلدية (Blisters) على جلود بعض الضحايا، مما أثار شكوكاً أولية حول تعرضهم لهجوم كيميائي أو غازات حارقة.

_ وضعية الوفاة: كان الكثيرون في وضعيات تدل على أن الموت كان مفاجئاً جداً، وكأنهم فقدوا الوعي وسقطوا في مكانهم (أثناء تناول الطعام أو النوم).

_ رأي الطب الشرعي: بعد التشريح والدراسة، استبعد الأطباء السموم الكيميائية، وخلصوا إلى أن السبب هو "الاختناق بتركيز عالٍ من ثاني أكسيد الكربون (CO_2)".

_ التقرحات الجلدية لم تكن حروقًا حرارية، بل كانت نتيجة ضغط الأوعية الدموية أو نقص الأكسجين الحاد الذي أدى إلى تلف الأنسجة الجلدية السطحية (Pressure sores) بسبب البقاء في وضعية واحدة لفترة طويلة قبل الوفاة أو أثنائها.

_ تسبب الغاز في فقدان وعي فوري للضحايا، تلاه توقف التنفس في غضون دقائق

▪︎الفرضيات التي قيلت (بين العلم والشائعات) بسبب الطبيعة الغريبة للحادثة، انقسمت التفسيرات إلى مسارين:

_الفرضية العلمية (التي تأكدت لاحقاً): تُعرف بـ "الانفجار الليموني" (Limnic Eruption). حيث تشبعت مياه البحيرة العميقة بمليارات الأطنان من غاز CO_2 الناتج عن نشاط بركاني تحت الأرض.

ولسبب ما (ربما انهيار أرضي صغير)، اضطربت المياه وانطلق الغاز فجأة مثل "فوران زجاجة مياه غازية"، ليزحف الغاز الثقيل على الأرض ويخنق القرى.

_ الفرضية العسكرية: انتشرت شائعات قوية بأن الحادث كان تجربة لسلاح سري (مثل القنبلة النيوترونية) قامت بها قوى كبرى، لأن السلاح قتل البشر والحيوانات (ما يقرب من 3000 رأس ماشية) لكنه ترك المباني والشجر سليماً تماماً.

- الفرضية الأسطورية: اعتقد بعض القرويين المحليين أن "أرواح البحيرة" أو غضب الآلهة هو السبب، نظراً لارتباط البحيرات في الفلكلور الكاميروني بالغموض والقوى الخفية.

رد فعل العامة والصحافة:

▪︎الصحافة العالمية: غطت الحادثة تحت عناوين مثل "البحيرة القاتلة" و "أنفاس الشيطان".
كان هناك ذهول دولي من فكرة أن الطبيعة يمكن أن تطلق "سحابة صامتة" تقتل قرى بأكملها دون سابق إنذار.

_ رد فعل العامة: ساد الذعر في الكاميرون، وهُجرت المنطقة لسنوات طويلة. المصابون الذين نجوا (نحو 800 شخص) عانوا من صدمات نفسية ومشاكل تنفسية مزمنة، ووصفوا شم رائحة تشبه "البيض الفاسد" أو "البارود"، رغم أن CO_2 عديم الرائحة (وهذا يُفسر بوجود كميات ضئيلة من الكبريت المصاحب للثوران).

(التفسير العلمي لتغير لون البحيرة)

الإنفجار أدي لتقليب مياه القاع الغنية "بالحديد"، و حين لامس الحديد سطح الهواء تأكسد فورًا (صدأ) و صبغ البحيرة بلون الدم، و كأن الطبيعة تعلن عن فداحة ما حدث...

(خاتمة)

دروس من قسوة الطبيعة...

اليوم، وبعد مرور عقود، لا تزال بحيرة "نيوس" منطقة مراقبة دولياً.

و أُجلي منها السكان.

و في عام 2001م بدأ العلماء مشروعًا هندسيًا ضخمًا؛ لتركيب أنابيب تفريغ (Degassing Columns) تعمل على سحب الغاز من القاع و إطلاقه ببطء في الهواء الجوي؛ لضمان عدم تكرار الكارثة.

و رغم هذه الجهود، لاتزال بحيرة "نيوس" تُصنف كـ واحدة من أخطر المواقع الطبيعة على كوكب الأرض.

ستظل ذكرى تلك الليلة محفورة في وجدان الكاميرون والعالم؛ تذكرنا بأننا نعيش فوق كوكب حيّ، متقلب، وقد يغدر في لحظة سكون.

لقد كانت "سوبوم" ضحية لظاهرة طبيعية نادرة جداً، لكنها تركت خلفها سؤالاً أزليًا:

كم من الأسرار لا تزال الطبيعة تخفيها في أعماق مياهها الصامتة؟

مراجعة وإشراف : أزيز الصمت.

المصدر:

بحيرة نيوس ڤوڤلو

يكيبيديا

https://kabbos.com/%d8%b5%d9%85%d8%aa%d9%8f-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%ad%d9%8a%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%a7%d8%aa%d9%84-%d8%ad%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d9%8a%d9%82%d8%b8%d8%aa-%d9%86%d9%8a%d9%88%d8%b3/

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

السلام عليك يا صاحب الزمان وخليفة الرحمن

 السلام عليك يا صاحب الزمان وخليفة الرحمن