2026January30 -
19:10
سرويس کيهان
عربي: عماد ياغي:
التلاعب في العقول…السلاح الخفي في مشروع التغوّل
الأميركي من غرينلاند إلى الشرق الأوسط
حين أنظر إلى سلوك الولايات
المتحدة في العالم، لا أراه مجرد سياسات متفرّقة أو ردود أفعال آنية، بل أراه
مشروعاً متكاملاً يقوم قبل كلّ شيء على إدارة العقول قبل إدارة الجغرافيا. فالقوة
الأميركية لم تُبنَ فقط على حاملات الطائرات ولا على الدولار، بل على قدرة
استثنائية في صناعة الرواية التي تسبق الفعل وتبرّره وتحوّله من عدوان إلى "ضرورة"،
ومن توسع إلى "حماية"، ومن نهب إلى "استقرار دولي". لهذا يمكن
القول إنّ أخطر ما في التغوّل الأميركي ليس ما يفعله، بل ما يجعل الآخرين يعتقدون
أنه طبيعي أو حتمي.
الولايات المتحدة لا
تتحرك في فراغ، بل تبني دائماً مسرحاً نفسياً لأيّ خطوة. قبل أن تدخل بلداً، تدخل
وعي الناس عنه. وقبل أن تضع يدها على موقع استراتيجي، تعيد تعريفه في الإعلام
والخطاب السياسي باعتباره مسألة أمن قومي أو مصلحة إنسانية أو خطراً يجب احتواؤه.
بهذه الطريقة لا يعود التوسع قراراً سياسياً قابلاً للنقاش، بل يصبح استجابة
أخلاقية مفترضة. المواطن الأميركي لا يُسأل إنْ كان يريد الهيمنة، بل يُقنع بأنّ
بلاده مهدّدة، وأنّ عليها أن تتحرك كي لا تُطوَّق أو تُضعف.
هذا الأسلوب يتكرّر في
كلّ تجربة أميركية تقريباً. في الشرق الأوسط كان النفط والاستقرار، وفي آسيا كانت
مواجهة الشيوعية ثم الصين، وفي أوروبا كان الردع والحلف الأطلسي، واليوم في القطب
الشمالي وغرينلاند تُعاد صياغة المكان ليصبح "قلب الأمن العالمي" و"مفتاح
الموارد المقبلة". المسألة هنا ليست الجزيرة نفسها، بل الطريقة التي تُبنى
بها صورتها في الذهن الأميركي: من أرض بعيدة إلى ضرورة استراتيجية. حين تتغيّر
الصورة في العقل، يصبح تغيير الواقع مسألة وقت.
التغوّل الأميركي لا
يصرّح باسمه الحقيقي. لا يقول نحن نحتلّ، بل يقول نحن نحمي. لا يقول نحن ننهب، بل
يقول نحن نستثمر. لا يقول نحن نفرض هيمنتنا، بل يقول نحن نقود النظام العالمي.
اللغة هنا ليست محايدة، بل هي أداة سيطرة. الكلمات تُختار بعناية كي تُخدّر الحس
النقدي وتحول السياسة إلى مسألة أخلاقية لا تُناقَش بل تُصدَّق.
ومن أخطر ما في هذا
النموذج أنه لا يستهدف الخارج فقط، بل يصنع في الداخل الأميركي حالة تعبئة نفسية
دائمة. المواطن هناك يُربّى على فكرة الاستثناء: أنّ بلاده مختلفة، وأنّ لها رسالة
عالمية، وأنّ تدخلها في شؤون الآخرين ليس طمعاً بل واجباً. هذه الفكرة تخلق شعوراً
بالتفوّق الأخلاقي، يجعل الأميركي يرى نفسه وصياً على العالم، لا شريكاً فيه. ومع
الزمن، يتحوّل هذا الشعور إلى حق مكتسب في التدخل وإعادة تشكيل الدول والخرائط والأنظمة.
عندما جاء ترامب، لم
يخترع هذا المنهج، لكنه كشفه بوقاحة أكبر. قال ما كان يُقال همساً: أميركا أولاً،
أيّ أنّ كلّ ما يخدمها مبرّر مهما كانت كلفته على الآخرين. حديثه عن غرينلاند،
وتلميحاته حول كندا، لم تكن زلات لسان، بل تعبيراً صريحاً عن عقلية ترى العالم
مساحة مفتوحة للمصلحة الأميركية. لكنه، كغيره، لم يقدّم ذلك على أنه احتلال، بل
على أنه صفقة، أو حماية، أو ضرورة أمنية في مواجهة خصوم محتملين.
بهذا الأسلوب تُعاد
صياغة القانون الدولي في الوعي قبل أن يُنتهك في الواقع. السيادة تُصوَّر كعقبة،
والاستقلال كفوضى، ووجود القوى الأخرى كتهديد دائم. وحين يقتنع الجمهور بهذه
المعادلة، يصبح مستعداً لتقبّل العقوبات والحروب والانقلابات الناعمة والخشنة
بوصفها أدوات "إصلاح" للعالم.
الاقتصاد أيضاً يدخل
في صلب هذا التلاعب. الشركات الأميركية لا تُقدَّم كأدوات نفوذ، بل كرسل تنمية.
القواعد العسكرية لا تُقدَّم كاحتلال، بل كضمان أمن. الدولار لا يُقدَّم كسلاح، بل
كنظام مالي عالمي. بهذه الطريقة تتحوّل السيطرة إلى شبكة غير مرئية من المصالح
التي تخنق الدول من دون إطلاق رصاصة واحدة.
والإعلام الأميركي
والغربي عموماً يلعب الدور المركزي في هذا المشهد. فهو لا يكذب دائماً، بل ينتقي.
لا يختلق الوقائع، بل يعيد ترتيبها بحيث تخدم الرواية الكبرى. صورة العدو تُبنى
تدريجياً: مرة إرهاب، مرة دكتاتورية، مرة تهديد نووي، مرة خطر على القيَم. تعدد
الصفات يخدم هدفاً واحداً: تجريد الخصم من إنسانيته السياسية، وتحويله إلى مشكلة
يجب حلها لا إلى طرف يُحاوَر.
بهذا المعنى، يصبح
التغوّل الأميركي عملية عقلية قبل أن يكون عملية عسكرية. العالم لا يُقاد بالقنابل
وحدها، بل بالمعنى الذي يجعل القنبلة تبدو مقبولة أو حتى مطلوبة. وحين تفقد الشعوب
قدرتها على تمييز الخطاب عن الحقيقة، تصبح ضحية مزدوجة: ضحية للقوة، وضحية للرواية
التي تبررها.
في منطقتنا، لمسنا هذا
النموذج بوضوح. لم تأتِ أميركا لإنقاذ الديمقراطية، بل لإدارة الفوضى بما يخدم
مصالحها. لم تحضر لحماية الشعوب، بل لإعادة توزيع النفوذ. لكن الخطاب المصاحب كان
دائماً ناعماً: حقوق إنسان، حرية، استقرار، مكافحة الإرهاب. الكلمات كانت جميلة،
لكن النتائج كانت دولاً ممزقة، واقتصادات منهوبة، ومجتمعات محمولة على الخوف
والديون.
الأخطر أنّ التغوّل
الأميركي لا يكتفي بالسيطرة على الأرض، بل يسعى للسيطرة على المعنى. يريد أن يحدّد
لك من هو الصديق ومن هو العدو، ما هو المشروع وما هو الفوضوي، من هو الشرعي ومن هو
المارق. وحين يُترك هذا الحق بيد قوة واحدة، يصبح العالم كله ساحة لإرادتها.
لهذا، فإنّ مواجهة
التغوّل الأميركي لا تبدأ بالصواريخ فقط، بل بالوعي. تبدأ بكسر الرواية قبل كسر
السلاح. تبدأ بسؤال اللغة قبل سؤال القرار. لأنّ الإمبراطورية التي تنجح في احتلال
العقل، لا تحتاج كثيراً لاحتلال الأرض. والعالم اليوم لا يعاني فقط من فائض القوة
الأميركية، بل من فائض قبولها نفسياً وإعلامياً وثقافياً.
في النهاية، ما نعيشه
ليس صراع حدود، بل صراع سرديات. الولايات المتحدة لا تنافس الدول فقط، بل تنافس
على تفسير العالم. ومن يفهم هذه الحقيقة يدرك أنّ المعركة الحقيقية ليست في
غرينلاند ولا في الشرق الأوسط وحدهما، بل في العقول التي يُراد لها أن ترى التغوّل
استقراراً، والهيمنة نظاماً، والسيطرة قدراً لا يُقاوَم…
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق