فرح: (الاردن)
44 يومًا من الغياب: جريمة جونكو
فوروْتا
بداية الإدراك…
كنت أظنّ أن الشرّ شيء
بعيد، شيء نسمع عنه في الأخبار ثم نُغلق الهاتف ونكمل يومنا، لكن عندما عرفت قصتها
تغيّر شيء داخلي.
فتاة عادية … وهذا ما يخيف
هي فتاة مثلي.
كانت تذهب إلى
المدرسة، تفكر بالامتحانات، ربما كانت تخاف من المستقبل أو تحلم بحياة هادئة، لم
تكن بطلة، ولا تبحث عن مأساة، كانت فقط فتاة عادية، وهذا أكثر ما يخيف.
العالم استمرّ…
الجريمة لم تكن لحظة
واحدة، بل أيامًا طويلة من الصمت، وأكثر ما آلمني ليس ما حدث لها، بل أن العالم
حولها استمرّ. الشوارع بقيت مزدحمة، والبيوت مضاءة، والناس تضحك، بينما كانت هي وحيدة
تمامًا.
أسئلة لا إجابة لها…
سألت نفسي: كم مرة
مشينا بجانب الخطر دون أن ننتبه؟ كم مرة وثقنا لأننا لم نرد أن نشك؟ هذه القصة لا تجعلني خائفة فقط، بل
غاضبة، غاضبة لأن البراءة لا تحمي، ولأن الصمت أحيانًا يكون
شريكًا في الجريمة.
فهمتُ هذا مبكرًا…
نعم، صحيح أني صغيرة
بنظركم، ولا أفهم كل شيء في هذا العالم، لكنني فهمت شيئًا واحدًا: أن الإنسان قد يُكسَر ليس لأنه ضعيف، بل
لأن الآخرين اختاروا القسوة.
سأحمل قصتها في قلبي،
لا لأخاف، بل لأتذكر أن اللطف ضرورة، وأن الشرّ حقيقي، وأننا يجب ألا نغضّ الطرف
أبدًا.
من هي جونكو؟…
أنا اليوم هنا
لأشارككم جريمةً لربما تعرفونها، جريمة تلك الطفلة الكبيرة، جونكو. اسمها الكامل جونكو فوروْتا، فتاة
يابانية في السابعة عشرة من عمرها، كانت تعيش في مدينة ميساتو
بمحافظة سايتاما، طالبة مدرسة ثانوية، تعمل بدوام جزئي، وتعود كل مساء
بالطريق نفسه، دون أن تعلم أن يومًا عاديًا قد يكون الأخير.
يوم الاختطاف…
في 25 نوفمبر 1988،
وفي طريق عودتها إلى منزلها، اختطفها أربعة مراهقين: هيروشي مييانو،
جو أوغورا، ياسوشي واتانابي، وشينجي ميناتو. اقتادوها إلى منزل عائلة مييانو في طوكيو، وهناك بدأت الجريمة التي لم
تكن لحظة واحدة، بل 44 يومًا من الاحتجاز القسري.
الاحتجاز والصمت…
خلال تلك الأيام،
تعرّضت جونكو إلى اعتداءات جسدية وجنسية متكررة، وإلى إذلال نفسي قاسٍ، وتم تهديدها باستمرار بالقتل إن حاولت
الهرب أو طلب المساعدة. كانت محاصَرة بالخوف وبصمت من
حولها، بينما كانت الحياة في الخارج تمضي كأن شيئًا لا يحدث. لم تُعامل كإنسانة،
ولا كطفلة، ولا حتى كصوت يستحق أن يُسمَع.
تدهور الجسد…
مع مرور الأسابيع،
تدهورت حالتها الصحية بشدة بسبب العنف المتواصل، وسوء التغذية، وغياب أي رعاية، وجسدها لم يعد قادرًا على
الاحتمال.
النهاية المؤلمة…
في 4 يناير 1989،
توفيت جونكو نتيجة الإصابات المتراكمة والإرهاق الشديد والانخفاض الحاد في حرارة جسدها. لم تُقتل بضربة واحدة،
بل ماتت لأن الألم استمر طويلًا، أكثر مما يستطيع جسد إنسان
تحمّله.
ما بعد الموت…
بعد وفاتها، قام
الجناة بوضع جثمانها داخل برميل معدني، وسكبوا داخله الأسمنت لإخفاء الجريمة، ثم تخلّصوا منه. في يناير 1989،
كُشفت الحقيقة، وعُثر على الجثمان، لتصدم اليابان بجريمة
أصبحت تُعرف باسم قضية الطالبة الثانوية المغطاة بالخرسانة.
عدالة غير كافية…
حُوكم الجناة بصفتهم
قاصرين، وصَدرت بحقهم أحكام اعتُبرت مخففة، ما جعل القصة لا تنتهي عند موت جونكو، بل تستمر كسؤالٍ مفتوح عن
العدالة، وعن الصمت، وعن كمّ الشر الذي يمكن أن يحدث حين
لا يتدخل أحد.
لماذا قصتها مرعبة؟…
جونكو لم تكن بطلة، لم
تكن تبحث عن نهاية مأساوية، كانت فقط فتاة عادية، وهذا ما يجعل قصتها مرعبة إلى
هذا الحد.
أنا أكتب هذا وأنا في
العمر نفسه تقريبًا الذي توقّف عنده عمرها، أكتب وأنا أعرف أنني أعود إلى بيتي كل يوم بأمان،
بينما هي لم تُمنَح هذه البساطة. قصتها لا تجعلني أكره العالم،
لكنها تجعلني أراه بعيون أصدق، تعلّمني أن الخطر ليس دائمًا غريب الملامح،
وأن الصمت قد يكون أقسى من الفعل نفسه.
لماذا لا يجب أن تُنسى…
أنا لا أكتب لأخيفكم،
ولا لأعيد فتح الجرح، بل لأن نسيانها ظلم آخر، لأن ذكر اسمها اعتراف بأنها كانت إنسانة، وأن ما حدث لها لم
يكن خطأً عابرًا، بل جريمة كاملة.
جونكو رحلت، لكنني
هنا، أكتب، وأتذكّر، وأرفض أن يكون الصمت هو النهاية…
ملاحظة:
تمت الإشارة إلى هذه
القضية سابقاً في الموقع بواسطة ردينة العتيبي
بعنوان:
قصة
تعذيب و قتل جونكو فوروتا
تم تحرير وتنقيح
المقال بجهود مشكورة بواسطة :باسم الصعيدي
إشراف: ازيز الصمت
مراجعة وتدقيق: جمال العابد
المصدر:







ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق