الجمعة، 2 يناير 2026

بين (الجنون) و(المجون) - سيكولوجية نثر المال في الهواء

 

رؤى خليل:

بين (الجنون) و(المجون) - سيكولوجية نثر المال في الهواء



من نافذة مكتب في سانت بطرسبرغ، ومن فوق أسطح بنايات هونج كونج، وصولاً إلى منصات الملاهي الليلية في بغداد و بيروت والقاهرة؛ تكرر مشهد "الأوراق النقدية المتطايرة" عبر التاريخ بصور متناقضة، لكنها تشترك في أصل واحد:  الرغبة في تحويل المال من "قيمة مخزنة" إلى "عرض بصري" يثير الصدمة.

من عطاء "مانسا موسى" إلى فوضى "دوروف"



بدأ الأمر تاريخياً كفعلٍ من أفعال السطوة والكرم المفرط. مانسا موسى، أغنى رجل في التاريخ، ملك إمبراطورية مالي في القرن الرابع عشر، قام بتوزيع الذهب بكرم أسطوري. خلال رحلة حجه إلى مكة، وزع كميات هائلة من الذهب على الفقراء في كل مدينة مر بها (خاصة القاهرة). يقال إنه وزع الكثير من الذهب لدرجة أن قيمته انخفضت في المنطقة لعشر سنوات تالية ودخلت البلاد في تضخم حاد وفقر حتى اصبح رغيف الخبز يباع بالذهب وذلك لكثرة الذهب في يد الناس وانعدام قيمته!.

وفي العصر الحديث، نجد مليارديرات مثل بافيل دوروف يعيدون إنتاج المشهد بشكل "عبثي" حين رمى طائرات ورقية مصنوعة من أوراق نقدية (فئة 5000 روبل، ما يعادل 160 دولاراً آنذاك) من نافذة مكتبه في مدينة سانت بطرسبرغ. تسبب ذلك في تجمهر كبير ومشاجرات بين الناس في الشارع للحصول على المال، وتوقف عن ذلك بعد أن رأى الفوضى التي أحدثها.

اما بيني وونغ في هونغ كونغ، وهو شاب يعمل في مجال العملات الرقمية، فقد قام بإلقاء مئات الآلاف من الدولارات من فوق سطح مبنى في منطقة فقيرة بهونج كونج. سقطت الأموال كالمطر على المارة، مما أدى إلى حدوث فوضى عارمة وتدخل الشرطة التي اعتقلته بتهمة إثارة الفوضى في مكان عام.

في الحقيقة، وعلى عكس ما يتوقعه البسطاء والحالمون، فأن توزيع المال مجانا وبكميات كبيرة، او نثره في الشوارع، ليس بالضرورة امرأ جيدا، اقتصاديا توزيع كميات كبيرة من المال مجانا يؤدي الى تضخم حتمي، وهو امر يمكن ملاحظته ببساطة مع كل رفع في مرتبات الموظفين تقوم به الدول، اما النثر على الرؤوس في الشوارع فهو وصفة لا تقبل الخطأ للفوضى العارمة بين الناس.

الجذور التاريخية: من "البركة" إلى "الاستعراض"



لم تبدأ فكرة نثر المال، كما نرى اليوم، في الملاهي، بل كانت في أصلها طقساً احتفالياً مرتبطاً بالوفرة. في العديد من الثقافات الشرقية والمتوسطية، كان نثر العملات المعدنية (أو حتى الحبوب والسكر) فوق العروسين أو المؤدين يهدف إلى "طرد النحس" وجلب البركة.

في العصر العباسي، عُرف ما يسمى بـ "النثار"، حيث كان الخلفاء والأثرياء ينثرون الدراهم والدنانير في المناسبات الكبرى. ومع انتقال الفنون من البلاطات الملكية إلى المقاهي الشعبية ثم الملاهي، تحول "النثار" من طقس احتفالي عام إلى وسيلة شخصية للتميّز داخل السهرات.

الانتقال إلى المسرح: ولادة "النُّقْطَة"

طفل يرمي النقود على راقصة داخل ملهى ليلي

 


https://youtu.be/fOQcWyw37FE?si=ZFoBd3FrbYiC0at1

بينما كان "الرمي في الشوارع" يهدف لهزّ النظام الاجتماعي، انتقلت هذه العادة إلى فضاءات السهر لتصبح طقساً مقنناً يُعرف بـ "النقطة" أو "الكيت". في الملاهي العربية، لا يُرمى المال ليجمعه الفقراء، بل ليُغلف به جسد الراقصة أو يُغرق به خشبة المسرح. الفرق هنا جوهري؛ فبينما رمى "بيني وونغ" ماله في هونج كونج كنوع من الاحتجاج أو الترويج للعملات الرقمية، يرمي مرتاد الملهى ماله لشراء "الاعتراف". إنها اللحظة التي يتوقف فيها المطرب ليذكر اسم "المحسن الكريم"، فيتحول المال من وسيلة شراء إلى "صك وجاهة".

السوسيولوجيا والمكانة: لماذا ننثر المال؟

يرى علماء الاجتماع أن رمي المال في الملاهي (النقطة) يتجاوز كونه "دفعاً مقابل خدمة". إنه إعلان عن المكانة.

الاعتراف والوجاهة: في الملاهي العربية، غالباً ما يرتبط رمي المال بـ "التحية"؛ فالمطرب يقاطع أغنيته ليشكر "فلان" على كرمه، مما يمنح المانح شعوراً بالسيادة والتميز وسط الجمهور.

سيكولوجية الهيمنة: إلقاء المال في الهواء يرمز إلى الاستخفاف بقيمته المادية مقابل الحصول على القيمة المعنوية (الانتباه). هي لحظة يقول فيها الشخص: "أنا أملك الكثير لدرجة أنني أستطيع التخلي عنه بلا مبالاة".

"Make it Rain": المطر الذي لا يروي أحداً



في الغرب، وتحديداً في الولايات المتحدة، انتقلت هذه العادة من نوادي "الستراب تيز" في أتلانتا إلى ثقافة الهيب هوب(Hip-Hop) . أصبح مصطلح "Making it Rain" علامة مسجلة لمغنيي الراب الذين أرادوا استعراض نجاحهم السريع. هنا، لا يُعطى المال باليد، بل يُقذف في الهواء ليصنع "مشهدية بصريّة" توحي بأن السماء تمطر ثروة. في عام 2006، أصدر المغني Fat Joe أغنية تحمل نفس الاسم، مما حول الحركة من تصرف فردي إلى "تريند" عالمي يقلده الشباب في النوادي الليلية كرمز للنجاح والتحرر من القيود المالية.

Tipping (البقشيش الاستعراضي): في نوادي "الستراب تيز" (Strip Clubs)، يعتبر رمي المال على المسرح أو وضعه في ملابس الراقصة جزءاً أساسياً من ثقافة المكان ومصدر الدخل الرئيسي للعاملين هناك.

الخاتمة: الرابط الخفي

إن الخيط الرفيع الذي يربط الثري الذي يرمي ماله في الشارع، بالشخص الذي "ينقط" الراقصة في الملهى، هو "البحث عن الخلود في اللحظة". كلاهما يدرك أن المال في الجيب صامت، لكنه حين يطير في الهواء يكتسب "صوتاً" ويجذب "عيوناً". سواء كان الفعل جنوناً عابراً، أو استعراضاً لمجون ليلة صاخبة، يظل نثر المال هو الطريقة الأكثر فجاجة وصدقاً لقول جملة واحدة: "أنا هنا، وأنا أملك ما لا تملكون".

https://kabbos.com/%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%86%d9%88%d9%86-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ac%d9%88%d9%86-%d8%b3%d9%8a%d9%83%d9%88%d9%84%d9%88%d8%ac%d9%8a%d8%a9-%d9%86%d8%ab%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%85/

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

السلام عليك يا صاحب الزمان وخليفة الرحمن

 السلام عليك يا صاحب الزمان وخليفة الرحمن