باسم عبد المجيد (كاتب من صعيد مصر .. بدأ
رحلته مع الكتابة في موقع كابوس عام 2012 تحت اسم "باسم الصعيدي" .. يكتب بأسلوبه الذي يمزج بين الرعب
الواقعي والتحليل النفسي والبحث التاريخي .. ليقدّم نصوصًا
تحمل فكرًا أدبيًا عميقًا يكشف الجانب الخفي من الإنسان و الحياة. للتواصل (12bassem22@gmail.com ):
حين عضّ الراديوم شفاه الملائكة
المقدمة
في مقابر نيوجيرسي ..
يحلف بعض سكان البلدة أنهم رأوا الأرض تلمع في الليل .. لا بسبب القمر ولا بفعل
مصابيح الشارع .. بل لأن العظام المدفونة هناك لم تفقد بريقها بعد .. كانت فتيات صغار
أعمارهن لا تتجاوز العشرين.. يضحكن ويغنين ويمسكن الفرشاة
كما لو كانت زهرة .. يرسمْن الوقت على ساعات الجنود والعشاق .. ويضعن الطلاء المشع على شفاههن
وأظافرهن كأنه سحر بريء.. لكن كل رقم خطّته أيديهن لم
يكن سوى تاريخ موت جديد..
هذه لم تكن قصة مرض ..
بل قصة خيانة .. لم تكن ضحايا علم جاهل .. بل ضحايا طمع يعرف تمامًا ما يفعل .. إنها الحكاية التي كتبها
الراديوم بالحروق على الأجساد وبالخرس في الأفواه قبل أن يُسكتها
القبر...
ها نحن نفتح ملفًا
مشعًا يفيض بالأسماء والوجوه لفتيات لم يطلبن من الحياة سوى وظيفة .. فأعطتهن الحياة ضوءًا
يلتهم العظام .. إليكم القصة الكاملة للجميلات اللواتي أضأن قبورهن...
المصنع الذي يضحك في العتمة
في المصنع رقم 3
بمدينة أورانج بنيوجيرسي .. كانت لوسي تضحك .. فتاة في السابعة عشرة بشعر مربوط على عجل وفستان يزهو بزهور
حمراء .. تمسك الفرشاة كأنها تمسك بعود كمان .. تلوّن الأرقام على
وجه الساعة بدقة .. ثم تبلّ رأس الفرشاة بلسانها قبل أن تغمسه ثانية في الطلاء
المشع .. وحين تسلّل الضوء الأخضر من عقرب الساعة لتوّه قالت: "انظروا ..
سأتوهج الليلة" .. لكنها لم تكن تعلم أن ذلك العقرب نفسه سيخترق عظم
فكها بعد عامين فقط...
الراديوم .. معجزة أم لعنة
في زمنٍ كان فيه الليل
مظلمًا فعلًا .. لا شاشات تنير ولا كهرباء تحاصر الزوايا .. وُلدت معجزة: ساعة
تضيء في العتمة .. رقم يلمع على معصمك كأن الزمن نفسه صار له قلب ينبض بالضوء ..
وكان الضوء سحريًا وكان الاسم أكثر سحرًا .. الراديوم .. عنصر جديد عجيب مشع
اكتشفته ماري كوري عام 1898 وسُميت الوحدة الإشعاعية على اسمها.. لكنها نفسها
ماتت بمرض في الدم تسببه الأشعة .. الراديوم .. الابن المشع الذي قتل
أمّه وقتل آلافًا بعدها .. قيل إنه يشفي الأمراض ويقوي العظام ويعيد الشباب
للمسنين .. بل إن البعض خلطه بالماء وشربه كأنه إكسير الحياة .. لكن
الحقيقة؟ كانت شيئًا آخر تمامًا...
مصانع الضوء وتواريخ الدفن
في عشرينيات القرن
الماضي جلست آلاف الفتيات الأمريكيات .. أعمارهن بين الرابعة عشرة والعشرين .. في مصانع "أندوورك”
الشهيرة للساعات المضيئة ..
كانت مهمتهن بسيطة .. رسم الأرقام والعقارب على وجه الساعة
باستخدام طلاء خاص يحتوي على عنصر الراديوم المشع .. وكان الطلاء دقيقًا للغاية
والفرشاة تحتاج أن تُبري بعد كل حركة .. ولم يكن هناك أفضل من طريقة علّمتهن إياها المشرفات "ضعي الفرشاة بين شفتيك .. بلّليها
بطرف لسانك .. هكذا تصبح أنحف" .. قالت المشرفة بابتسامة
ثابتة "لا تقلقي .. الراديوم آمن" .. وكانت الفتيات يضحكن...
منهن من وضعت الطلاء على شفتيها كأحمر شفاه
يتوهج .. وأخرى رسمت به على أظافرها لتبهر صديقاتها في الحفلة الراقصة .. وثالثة
دهنته على خصلة شعر وقالت: "سأتوهج الليلة .. حتى في
الظلام" .. ولم تكن أي منهن تعرف أنهن كنّ يرسمن تواريخ وفاتهن أيضًا .
المرض الذي له وجه ملاك
لم تمر سنوات قليلة
حتى بدأ الألم .. مولى ماغيا كانت أول من سقطت .. تحب الرقص وتكتب رسائل حبها بخط
مشع لخطيبها الجندي .. لكن فجأة سقط سن من فمها .. تبعه آخر ثم ثالث .. وبدأ فكّها
بالتحلل ببطء .. وفي أحد الأيام حين حاول الطبيب استخراج ضرسها خرج نصف فكها
السفلي بين يديه مفككًا كحجر طباشير مبتل .. فتاة أخرى بدأت تبصق دمًا
وهي نائمة...
وثالثة تحطّمت ركبتها أثناء صعود الدرج دون
أن تصطدم بشيء .. العظام أصبحت رمادًا تنهار إذا عطست أو حتى إذا
ضحكت .. إيدا كانتير كتبت لأختها في ورقة مرتجفة "أخاف أن أنام ..
فأستيقظ وقد أصبح لساني بلا لثة" .. لم يعرف الأطباء السبب .. أو ربما عرفوا
وصمتوا .. قيل إنهن مصابات بالزهري .. وقيل إنها هستيريا جماعية .. ثم قيل إنهن يتوهمن ..
أما الشركات فأنكرت .. وأرباب العمل تهرّبوا .. والمجتمع كان صامتًا
تمامًا .. لا أحد يريد أن يصدّق أن الضوء الساحر قاتل .
حين صمت الجميع
لم يكن الصمت مجرد
جُبن .. كان مؤامرة .. بعض الأطباء قبضوا أموالًا لتغيير تقارير الوفاة .. كتبوا "التهاب في الفم" .. بدلًا من
"تسمم إشعاعي".. الإعلام لم يتحدث .. الجمعيات
لم تتحرك .. حتى الكنائس قالت "الله يختبر صبرهن" .. كان الجميع ينظر إلى الجانب المضيء من
الراديوم .. لكن أحدًا لم يفهم أن التوهج لم يكن سحرًا .. بل نداء موت صامت من
داخل العظم .
غريس التي قاتلت بعظامها
ثم نهضت من بين الرماد
فتاة اسمها غريس فريير .. كانت تضحك مثل الباقيات .. لكن حين بدأ جسدها يتكسر لم
تسكت .. جمعت الناجيات .. نساءً فقدن أسنانهن وشعورهن وأجزاء من فكوكهن .. لكنهن
لم يفقدن الشجاعة .. رفعن دعوى قضائية ضد الشركة .. لم تكن المحاكمة سهلة ..
شركة ضخمة ومحامون من الطراز الأعلى وضغوط سياسية وإعلامية .. لكن غريس
تقدّمت إلى القاعة على كرسي متحرك تحمل عظامها المهشّمة كأنها سلاح .. وضعت على
المنضدة شيئًا صغيرًا .. قطعة من فكها السفلي .. كأنها تقول للقاضي "أنا
لا أتكلم .. هذا العظم يتكلم عني"...
إحدى الشاهدات كانت
تكتب إفادتها بينما تُسعف بالأكسجين .. وأخرى تحدثت وأضلاعها تنكسر بصوت مسموع في سكون القاعة .. قال القاضي
لها يومًا .. هل تظنين أن الراديوم هو السبب؟ فأجابت بنظرة
نصف مطفأة .. لا أظن .. أنا متأكدة .. والدليل؟ أنني أضيء حتى وأنا أموت .. وفي
صباح اليوم التالي امتلأت الصحف بعناوين دامعة وبدأت أمريكا كلها تضيء
وجوهها بالخجل.
النهاية .. لم يستطع أحد إسكاتهن
أجبرت المحكمة الشركة
على الاعتراف .. وصدر أول حكم يُجبر مصنعًا أمريكيًا على تعويض ضحايا الإشعاع .. لكن
الأهم أن بابًا جديدًا فُتح .. باب حقوق العمال في بيئات العمل الخطرة...
وهنا ياتي السؤال ..
لماذا كان الراديوم قاتلًا؟
الراديوم ليس سامًا
كالمعادن الثقيلة فقط .. بل خبيث .. حين يدخل الجسد يتعامل معه العظم كأنه كالسيوم ويقوم بتخزينه في النخاع
والجمجمة والأسنان .. ثم يبدأ بإصدار إشعاعات ألفا
وبيتا داخل الجسم .. تدمر الخلايا وتمزق الحمض النووي وتحول العظام إلى فتات ..
كان المرض بطيئًا خفيف الخطى لكنه لا يرحم .
أجساد تضيء بعد الموت
ماتت غريس .. وماتت
مولى ولوسي وسوزان وكل من رسمت رقمًا متوهجًا على ساعة .. لكنهن لم يرحلن تمامًا .. يقول سكان
نيوجيرسي إن قبور الفتيات ما زالت تلمع في الليل .. أن الراديوم لا يزول
بل يواصل التوهج داخل العظام...
وأن الأرض فوق أماكن
دفنهن تتوهج بهدوء كأنها تهمس "هنا يرقد من قاومن الضوء بالضوء"...
وقد سجل باحثون من
جامعة برينستون قراءات إشعاعية فوق بعض القبور أعلى من مستويات المفاعلات النووية .. الضوء لم ينطفئ بعد ..
إنه فقط تغيّر مكانه .. من وجوه الفتيات إلى أعماق الأرض .
الرقم الأخير
حين تنظر إلى ساعتك
الليلة .. تذكّر شيئًا واحدًا .. ربما خلف عقاربها روح فتاة لم تنم منذ قرن .. كانت تظن أنها ترسم الوقت ..
لكنها كانت ترسم العدالة ولو بعد موتها .. وربما كانت آخر
فرشاة أمسكتها قد كتبت دون أن تدري .. تاريخ وفاتها .. لكن ما لم تعرفه
الفتيات أن التاريخ لم يُكتب عليهن وحدهن .. بل علينا جميعًا .. نحن الذين ما
زلنا ننظر إلى الساعات في معاصمنا .. غير مدركين أن الوقت نفسه قد
يكون سمًّا يتربص بنا .
المصدر:
NPR – The Tragic Story Of The Radium GirlsNPR – The
Tragic Story Of The Radium Girl
History.com – The 'Radium Girls' Fought for Justice
After Suffering Radium Poisoning
Claudia Clark, Radium Girls: Women and Industrial
Health Reform, 1910–1935 – UNC Press, 1997
Kate Moore, The Radium Girls: The Dark Story of









ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق