محمد عبد الرزاق ابراهيم (سوريا):
هانتا…الفيروس الصامت الذي يخرج من ظلال القوارض
فيروسات هانتا…ذلك
العدوّ الخفيّ الذي يسكن الظلال الرطبة، ويتخفّى في زوايا الحظائر المهجورة وأكوام القشّ والغبار، حيث
تتحرّك القوارض بصمتٍ لا يُسمَع، لكنها تترك وراءها خطرًا قد يكون
أشدّ فتكًا من كثير من الأوبئة المعروفة.
إنها فيروسات دقيقة
تنتمي إلى عالمٍ غامض من الكائنات المجهرية، تُعرف علميًّا باسم Hantaviruses، وهي من الفيروسات
ذات الحمض النووي الريبي السالب الاتجاه، التابعة لعائلة البانيوية.
تعيش هذه الفيروسات في أجساد القوارض دون أن تُظهر عليها علامات المرض،
وكأنها عقدت معها هدنةً خفية، لكنها ما إن تنتقل إلى الإنسان حتى تتحول إلى تهديدٍ
قد يودي بالحياة.
ولا يحتاج هذا العدوّ
إلى مواجهة مباشرة كي ينقضّ على ضحيته، فمجرد استنشاق ذرات الغبار الملوّثة ببول القوارض
أو لعابها أو فضلاتها قد يكون كافيًا لبدء رحلة المرض. وبعض سلالاته قادرة
على إحداث أمراض شديدة الخطورة، مثل الحمى النزفية المصحوبة بالمتلازمة الكلوية،
أو المتلازمة الرئوية لفيروس هانتا التي تُعد من أكثر
الإصابات الرئوية فتكًا.
وقد ارتبط اسم هذا
الفيروس بنهر "هانتان" في كوريا الجنوبية، حيث لُوحظ انتشاره لأول مرة، قبل أن ينجح العالِمان كارل جونسون
وهو وانغ لي في عزله خلال سبعينيات القرن الماضي، لتبدأ بعدها
رحلة طويلة من الدراسات والتحذيرات.
أما الحمى النزفية
المصحوبة بالمتلازمة الكلوية، فهي ليست مرضًا واحدًا بل مجموعة من الأمراض المتشابهة، تضرب الأوعية الدموية
والكليتين معًا، فتتسلل العدوى إلى الجسد بصمت، ثم تبدأ
الحمى والضعف والنزيف واضطراب وظائف الكلى بالظهور تباعًا. وقد انتشرت هذه الأنواع
في مناطق واسعة من أوروبا وآسيا وأفريقيا، وتختلف شدتها تبعًا للحمل الفيروسي وقوة
الإصابة.
وفي الجانب الآخر من
العالم، ظهر وجه أكثر رعبًا لهذا الفيروس، عُرف باسم "متلازمة فيروس هانتا الرئوية"،
وهو مرض يهاجم الرئتين بعنفٍ مفاجئ.
تبدأ أعراضه كما لو أنها إنفلونزا عابرة: حرارة، صداع، آلام
عضلية، سعال وخمول… ثم فجأة ينقلب المشهد إلى صراعٍ حاد
مع الاختناق، حيث تمتلئ الرئتان بالسوائل بسرعة مرعبة، ويصبح التنفس معركةً
قد يخسرها المريض خلال وقت قصير. وقد بلغت نسبة الوفيات فيه نحو 36%.
وقد اكتُشفت هذه
المتلازمة لأول مرة سنة 1993 في منطقة "فور كورنرز" جنوب غرب الولايات المتحدة، بعد ظهور حالات غامضة أودت
بحياة عدد من الأشخاص. وفي البداية أُطلق عليها اسم "مرض
فور كورنرز"، لكن الاسم تغيّر لاحقًا إلى "فيروس سن نومبري" بعد
اعتراض السكان الأصليين على ربط اسم منطقتهم بالمرض.
ورغم التقدم الطبي، ما
يزال كثير من أسرار فيروس هانتا مجهولًا، فالعلماء لم يتمكنوا حتى اليوم من فهم
آلية تطور المرض فهمًا كاملًا، بسبب صعوبة إيجاد نماذج حيوانية مناسبة للدراسة،
إذ إن الجرذان والفئران الحاملة للفيروس لا تُظهر عادة أعراضًا شديدة.
وفي الحمى النزفية،
يكون الضرر الأكبر موجّهًا نحو الأوعية الدموية والكليتين، حيث ترتفع نفاذية الأوعية وينخفض
ضغط الدم، أما في المتلازمة الرئوية فتتحول الرئتان إلى ساحة المعركة
الرئيسية، فيختنق المريض تدريجيًّا تحت وطأة السوائل المتراكمة
والالتهاب العنيف.
ومن أخطر ما يميز
فيروسات هانتا أنها لا تحتاج إلى جرحٍ أو عضةٍ مباشرة دائمًا؛ فالغبار نفسه قد يصبح ناقلًا للموت. يكفي أن
تُحرّك مكنسةٌ قديمة فضلات قوارض جافة حتى تتناثر جزيئات محملة
بالفيروس في الهواء، ثم تجد طريقها إلى الرئتين.
ورغم أن انتقال العدوى
بين البشر يُعد نادرًا للغاية، فإن فيروس "الأنديز" في أمريكا الجنوبية
شكّل استثناءً مخيفًا، إذ سُجلت حالات انتقال من إنسان إلى آخر، الأمر الذي أثار قلق الأوساط
الطبية.
وفي مارس عام 2020،
عاد اسم الفيروس ليتصدر الأخبار حين توفي رجل في الصين أثناء سفره إلى عمله بعد إصابته
بفيروس هانتا، مما أثار موجة واسعة من القلق، خاصة في ظل الأجواء المشحونة
آنذاك بسبب انتشار الأوبئة عالميًّا.
أما الوقاية، فهي
المعركة الأهم. فالقضاء على القوارض ومنعها من دخول المنازل والمخازن والحظائر يُعد خط الدفاع الأول. وينصح
الخبراء بإغلاق الشقوق والفتحات، والتخلص من الأعشاش،
واستخدام المصائد أو الوسائل المناسبة لمكافحة الجرذان والفئران.
وعند تنظيف الأماكن
الملوثة، لا ينبغي أبدًا كنس الفضلات الجافة مباشرة، لأن ذلك يطلق الفيروس في الهواء. بل يجب أولًا رشّ
المكان بالمطهرات، وتركه رطبًا، ثم إزالة الفضلات بالقفازات
والكمامات مع تهوية المكان جيدًا.
وحتى فضلات القوارض القديمة يجب التعامل معها على أنها معدية،
لأن الفيروس قادر على البقاء حيًّا لأيام في الظروف المناسبة،
قبل أن تقضي عليه أشعة الشمس فوق البنفسجية.
وهكذا يبقى فيروس
هانتا شاهدًا على حقيقة مرعبة: أن أخطر الأعداء قد لا تُرى بالعين، وقد تختبئ في أبسط الأماكن وأكثرها
اعتيادًا … خلف جدارٍ مهمل، أو في زاوية حظيرة صامتة، أو بين ذرات غبار
تبدو بريئة، لكنها تحمل في داخلها مرضًا قادرًا على تحويل الحياة إلى
سباق مع الموت.
تحرير، تدقيق ومراجعة: أزيز الصمت.
المصدر:




ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق