الخميس، 7 مايو 2026

إيمي إسكريدج - العالمة التي عَرفت أكثر مِمّا ينبغي

 

mehdi ontiti: (المغرب)

إيمي إسكريدج - العالمة التي عَرفت أكثر مِمّا ينبغي



السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلاً بكم يا قرّاء موقع كابوس.

ثمّة مهنٌ يُحذِّرونكَ منها صغيراً: لا تكن بحّاراً، فالبحرُ لا ينسى. لا تكن منجَمياً، فالأرضُ تأخذُ من يحبّونها. لا تكن جنديّاً، فالأوسمةُ تُعلَّقُ على الصدورِ التي يخترقُها الرصاصُ أوّلاً. لكن أحداً لم يُحذِّرك من المهنة الأكثر خطراً في هذا القرن: أن تكون عالماً يعرفُ أكثرَ ممّا يجبُ أن يُعرَف.

أكتبُ هذا المقالَ على مضض. لا أحبُّ النبشَ في القبور، لا لأنّ الموتى يستحقّونَ راحتَهم — كثيرون مِنهم لم يستحقّوها وهم أحياءبل لأنّي كلّما رفعتُ غطاءَ قبرٍ، اكتشفتُ أنّ في داخلِه مرآةً صغيرة، وأنّ الوجهَ الذي يُحدِّقُ بي منها ليس وجهَ الميّت.

الجريمةُ، يا صديقي، عدوى. ومن يتأمّلُها طويلاً تنتقلُ إليه عبرَ الورق، عبرَ الحبر، عبرَ نظرتهِ هو في المرآةِ صباحاً.

أُفضّلُ أن أَستهلَّ مقالي بهذا الاعتراف، حتى لا تَظنَّ أنّني أَدّعي امتلاكَ مفاتيحِ الحقيقة. لا أَملكُها. ولا أظنُّ أنّ أحداً يَملكُها بالكامل. ما أَملكُهُ هو مفتاحُ السؤال. مفتاحٌ صغير. صَدِئ. لكنّه — يا صديقي — كافٍ لِفتحِ أبوابٍ كثيرة، إن كنتَ تَجرؤُ على ما خَلفها.

ضَحايا متسلسِلون من نوعٍ نادر



في الأشهرِ الأخيرة، انسحبَ من هذا العالم أكثر من أحدَ عشرَ عالماً. كلمةُ "انسحب" لا أَستخدمُها هنا تأدّباً، بل لأنّ القتلَ في حالاتِهم بدا أنيقاً إلى درجةٍ تَكادُ معها تشكرُ القاتلَ على ذوقهِ الرفيع.

واحدٌ وُجدَ في غرفةٍ بقفلٍ من الداخل، كأنّ الانتحارَ هو الآخر يحترمُ الخصوصية. ثانٍ هوى من شرفةٍ كان يتجنّبها كما يتجنّب المؤمن المعصية. ثالثٌ افترشَ طريقاً جانبياً لم تكن لهُ فيه حاجة، كأنّ الطريقَ ذاتَه تطوّع ليستقبلَه. الواحدُ تلوَ الآخر، في تتابعٍ يكسرُ قانونَ الاحتمال. كأنّ ثمّةَ خيّاطاً مجهولاً يجلسُ خلف ستارةٍ سوداء، يفكُّ غرزةً هنا، وغرزةً هناك، ثم يُعيدُ خياطةَ القماشِ بحيث لا يبدو أنّ أحداً كان يجلسُ في تلكَ الزاويةِ من الصورة. والمضحكُ — وهنا تظهرُ ابتسامةُ من شاهدَ كثيراً — أنّ الصورةَ تبدو فعلاً مكتملة. لا أحدَ يلاحظُ المقعدَ الفارغ، لأنّ المقعدَ نفسَه نُزِعَ مع صاحبه.

كلُّ واحدٍ منهم يصلحُ موضوعاً لروايةٍ مستقلّة. لكن واحدةً من بين الأحدَ عشر قرّرت أن تختلفَ عن البقية: امرأةٌ استلمت قلمَ النعيِ من يدِ القاتلِ، وكتبت نعيَها بنفسها قبلَ أن يطبعَه. وهنا تبدأ الحكاية.

المرأة التي وُلدت تحتَ الصواريخ

كي نفهمَ لماذا اختيرَ اسمُها بالذات، علينا أن نعودَ إلى البداية.



فتحت إيمي إسكريدج (Amy Eskridge) عينيها على هديرٍ بعيد لمحرّكاتِ الصواريخ. مدينتُها، "هنتسفيل" في ولاية ألاباما، تُلقِّبُ نفسَها بـ"عاصمة الصواريخ"، وهو لقبٌ تستحقّه بفخرٍ ملوّثٍ بالدم؛ ففيها استقرّ "فيرنر فون براون" بعد الحرب، الرجلُ الذي بنى لهتلر صواريخَ V2 لتقصفَ لندن، ثم بنى لأمريكا صاروخَ Saturn V لتطأ القمر. التكنولوجيا نفسُها، الفكرةُ نفسُها، اليدانِ نفسُهما — تغيّرت فقط الأعلامُ المرفوعةُ خلفَ الكاميرا.

والدُها، ريتشارد إسكريدج، مهندسٌ سابقٌ في ناسا، تخصّصَ في فيزياءِ البلازما والاندماجِ النووي. على مائدةِ العشاءِ في بيتِها، لم تكن المعادلاتُ ضيوفاً عابرين، بل من أهلِ البيت. تخيّل، كيف يمكنُ لمثلِ هذه الطفلةِ أن تنشأ "عادية"؟
تخرّجت من جامعةِ ألاباما بشهادتَين متوازيتَين: الكيمياءُ والبيولوجيا. لم يَكفِها ذلك. أضافت إلى رصيدِها الهندسةَ الكهربائيّة والفيزياءَ التطبيقيّة. كأنّ عقلَها رفضَ منذُ البداية أن يُستأجَرَ في حقلٍ واحد. وكأنّها أَحسّت — والحدسُ هنا قد يكونُ نبوءة — أنّ السرَّ الذي تُطاردُهُ مدفونٌ على الحدودِ بين التخصّصات.

ثم أسّست، بالاشتراكِ مع والدها، معهدَ العلومِ الغريبة (The Institute for Exotic Science). الكلمةُ الأخيرةُ في الاسمِ "Exotic" لم تُختر اعتباطاً. إنها مفردةٌ مُستفزّة في القاموس الأكاديمي، تشيرُ إلى ما يقعُ خارجَ السياجِ المُسلَّمِ به: إلى الفيزياءِ التي تدخلُ القاعةَ من البابِ الخلفي، إلى الفرضياتِ التي يضحكُ منها زملاؤكَ في القهوة، إلى الأسئلةِ التي تجعلُ مديرَ القسمِ يطلبُ منكَ بأدبٍ، أن تأخذَ إجازةً مدفوعةَ الأجر.

اختارت أن تنشرَ أبحاثَها في العلن. ظنّت — وهو الظنُّ الذي يقعُ فيه كثيرٌ من الشرفاء — أنّ الضوءَ يحمي. اختارت أن تضع رقبتها فوق السكّين، لكنها وضعتها حيث يراها الجميع، معتقدةً أن العلن وحده هو ما سيحميها. وكان هذا خطأها الأول. وسيكون أيضاً خطأها الأخير.

مُضاد الجَاذبية

دعني أكون صريحاً معك: حين يقولُ لكَ أحدُهم "مضادّ الجاذبية"، فأنتَ تتخيّلُ صحناً معدنياً يلمعُ فوقَ مدينةٍ صغيرة. هذه الصورةُ هدية. هدية ممّن؟ من شركاتِ الإنتاجِ السينمائي التي علّمتنا، عبر أربعةِ أجيال، أن نضحكَ على الفكرةِ كلّما خطرت لنا.

الواقعُ أنّ المسألةَ ليست في الطفو. المسألةُ في الكهرباء، في النفط، في الأسواق، في بنيةِ الثروةِ نفسِها.
تخيّل صباحاً تستيقظُ فيه فتقرأ خبراً صغيراً في موقعِ الجزيرة "شركة أوبك تعلنُ تسريحَ 92% من موظّفيها". وأنّ أسعارَ النفطِ هبطت إلى مستوى لم يُسجَّل في تاريخِ التداول. ليس لأنّ ثمّةَ أزمة، بل لأنّ ثمّةَ اختراعاًاختراعاً واحداً صغيراً، خرجَ من مختبرٍ في ألاباما، وانتشرَ خلال أسبوعَين كما تنتشرُ الأخبارُ السيّئة في البيوتِ المحافظة. هذا السيناريو ليس روايةَ خيال. بل هو الرعبُ الذي يُسهرُ من أجله في غرفِ الاجتماعاتِ المُغلقة. وهو السببُ الذي يجعلُ من فكرةِ مضادّ الجاذبيةِ — حتى مجرّد الاقتراب منها — خطّاً أحمرَ مرسوماً بدمٍ غيرِ مرئي.

أبحاثُ النازيين في هذا المجال، خاصّةً المشروعُ الغامض المعروف بـ"الجرس"(Die Glocke) ، تَركت ذيلاً طويلاً من الأقاويل: آلةٌ دوّارة، مادةٌ غامضةٌ تُسمّى Xerum 525، عمّالٌ يموتون بأعراضٍ تشبهُ التسمّمَ الإشعاعي، طيورٌ تَسقطُ ميتةً في محيطها كأنّ الهواءَ نفسَه قرّرَ، لبضعِ ثوانٍ، أن يكفَّ عن أداءِ وظيفته.

لا أَملكُ يقيناً بشأنِ ذلك المشروع. القصصُ المتداولة عنه يَختلطُ فيها الموثَّقُ بالأسطوري اختلاطاً يَصعبُ معه الفصلُ بينهما. لكنّي أَملكُ يقيناً بشيءٍ واحد: بعدَ سقوطِ ألمانيا عام 1945، اختفت ملفّاتُهُ في الضباب، ولم يَعُد لها سندٌ ورقيٌّ في أيِّ أرشيفٍ علني.

ثم جاءت عملية Paperclip: الولاياتُ المتحدة تستورد، بهدوءِ المهرِّب الماهر، حواليْ ألفٍ ومئتي عالم ألماني، فيهم من خَدَموا في معسكراتِ الموتِ مباشرة. تُنظَّفُ ملفّاتُهم، تُكتَبُ سيرٌ ذاتيّةٌ جديدة، يُمنحون مكاتبَ ومرتّباتٍ وأوسمة. أمّا ضحاياهم، فيظلّون في مقابرَ جماعيّةٍ في بولندا، بلا أوسمة، بلا مكاتب، بلا سِيَرٍ ذاتيّة تُعاد كتابتها.

ادّعت إيمي أنّها رأت، أو على الأقل سمعت بتفاصيلَ موثوقة عن نماذجَ تجريبيّةٍ متقدّمةٍ طوّرتها ناسا في عقودٍ سابقة، ثم — لاحظ هذه الكلمةَ جيداً — أُذيبت. لم تُحفَظ، لم تُؤرشَف، لم تُسلَّم لمتحف الطيرانِ والفضاء. أُذيبت في أفرانٍ صناعيّة، حتى لا يتبقّى منها مسمار. لم تُذب لأنها لم تنجح، أُذيبت لأنها كانت تعمل، ولأن التقنيات التي تمنح التفوق لا تُعرض في المتاحف، بل تُدفن في تقاريرَ سريّة، وتُستلّ منها كورقةِ ضغطٍ في لعبةٍ لا يلعبها غيرهم. لستُ في موقعٍ يُتيحُ لي تأكيدَ روايتها أو نفيَها بشكلٍ قاطع، لكنّني أَنقلُها كما قالتها، لأنّ مَن يَكتبُ بياناً قبلَ شهرٍ من قتلهِ ينفي فيه انتحارَه، يَستحقُّ على الأقل أن تُنقَلَ كلماتُهُ كما هي.

الرِّسالة التي كَتبتها قَبل أن تُقتَل

الآنَ بعدَ أن قَرأنا عن حياتِها، لنتحدّث عن نهايتِها. لأنّ نهايتَها هي مفتاحُ كلُّ شيء.



* رسائل أرسَلتها إيمي عَبر تطبيق SIGNAL إلى "سامويل ريد" وهو شريكها في العمل*



* رسالة أرسَلتها إيمي إلى البروفيسور فرانك ميلبورن*

في 13 مايو 2022، قبلَ ثمانيةٍ وعشرين يوماً من موتها، أرسلت إيمي رسالةً عبر تطبيق Signal إلى البروفيسور فرانك ميلبورن (Frank Milburn)، ضابطُ استخباراتٍ بريطانيٍّ سابق، انتقلَ في سنواتهِ الأخيرة إلى البحثِ في الظواهرِ التي يرفضُ الأكاديميون الاقترابَ منها. كان نصُّ الرسالة: إن رأيتم أيَّ تقاريرَ تقولُ إنّني انتحرتُ، فهي ليست صحيحة. إن قالوا إنّني تناولتُ جرعةً زائدة، فهي ليست صحيحة. إن قالوا إنّني قتلتُ شخصاً آخر، فهي ليست صحيحة.

اقرأ الجملةَ مرّتين. لا، اقرأها ثلاثاً.

ما أمامَكَ ليس صرخة امرأة مكتئبة تَتهيّأُ لقرارٍ مأساوي. ما أمامَكَ بيانٌ صحفيٌّ مُعَدٌّ مُسبقاً للردِّ على نَعوةٍ لم تُكتَب بعد. هذه امرأةٌ تَعرف: أنّها ستموتُ قريباً، أنّ موتَها سيُغلَّفُ بإحدى ثلاثِ روايات، أنّ السلطةَ الرسميّة ستختارُ من بينِ هذه الروايات، وأنّ جوابَها يَجبُ أن يُكتَبَ قبلَ السؤال، لأنّها لن تكونَ موجودةً وقتَ السؤال.

في 11 يونيو 2022، نُفِّذت العمليّة. وُجدت إيمي ميتةً في منزلها، برصاصةٍ في الرأس. الحكمُ الرسمي: انتحار. تفاصيلُ الحادثةِ لم تُنشَر. الجثّةُ لم تخضعْ لتشريحٍ مستقل. أُحرقت بسرعةٍ تثيرُ القرفَ قبلَ أن تُثيرَ الشك. والسؤالُ الذي أتركهُ معلّقاً في الهواء، كأنّه دخانٌ من سيجارةٍ لم يطفئها أحد: هل تَنتحرُ امرأةٌ كَتبت قبلَ شهرٍ بياناً يَنفي انتحارَها؟ أم أنّ شخصاً ما، في غرفةٍ مكيّفةٍ في مكانٍ ما، قَرأ بيانَها، تأمّلهُ ملياً، احتسى رشفةَ ويسكي، ثم قال لمساعديه بهدوءِ مَن قرأ كتاباً مُسلّياً: "لطيف. فلنُري السيدةَ كيف تُكذَّبُ النبوءاتُ في عصرنا"؟

السيَّارة التي لا تَرحل



في حوارٍ مسجّلٍ أجرتهُ عام 2020 ضمنَ بودكاست متخصّصٍ بالأبحاثِ المُهمَّشة، وصفت إيمي ما كانت تعيشهُ بنبرةٍ تذكّركَ بمن يصفُ حالةَ الطقسِ لأخيه على الهاتف: "الأمرُ يتصاعد. أصبحَ أكثرَ شراسةً وأكثرَ توغّلاً في الأشهرِ الاثني عشرَ الأخيرة. هم يفتّشون في أدراجِ ملابسي الداخلية. يتركون رسائلَ ذاتَ طابعٍ جنسيٍّ تهديدي".

لاحظ التفصيل: "أدراج الملابس الداخلية". ليست خزنةَ مستندات. ليست صندوقَ بريد. ليست هاتفاً محمولاً. الأماكنُ الأكثر خصوصيّةً في حياةِ امرأة، تلك التي لا يفتحُها زوجُها إلا بإذنها الضمني، يُتلاعبُ بها لتعرفَ هي — وهي وحدها — أنّ التلاعبَ حصل. الآخرون، الجيران، الأقرباء، لن يلاحظوا شيئاً. لكنّها ستلاحظ. وعليها أن تعيشَ بهذا الانتباه. الرسالةُ هنا ليست "نراك". الرسالةُ هي: "نلمسُ ما لا يلمسهُ سواك. ولا توجدُ لكِ خصوصيّةٌ في هذا الكوكب — لا في حسابكِ المصرفي، ولا في رسائلكِ، ولا حتى في أصغَر قِطعة قماش تنوين ارتداءَها بعد ساعتين."

ثم جاءت سيارة اللكزس.

سيارةٌ سوداء من الفئةِ الفاخرة. السائق: رجلٌ في العقدِ السادس، بسماتٍ يُصنَّفُها المختصّون "أوروبية شرقية" أو "شرق أوسطية"، تحومُ حولهُ شائعاتٌ بأنّه ينتمي إلى جهازِ الموساد أو وكالة الاستخبارات المركزية. لا يطرقُ الباب. لا يتقدّم. لا يتراجع. يُرابط أمامَ المنزل، ساعاتٍ متواصلة، بنفسِ الهدوءِ الذي يُرابطُ به الصبرُ في جنازة.
السيارةُ نفسُها. اللون نفسُه. الرجلُ نفسُه. لكنّ لوحةَ الترخيصِ تتغيّرُ كلَّ يومٍ تقريباً.

اقرأ هذه الجملةَ ببطءٍ شديد: لا توجدُ في الكوكبِ كلّه عصابةٌ، ولا منظمةٌ خاصّة، ولا حتى مليارديرٌ مهووس، يستطيعُ أن يُغيّرَ لوحاتِ ترخيصِ سيارةٍ كلَّ صباحٍ بشكلٍ قانوني. اللوحاتُ تَصدرُ من جهةٍ واحدة. والجهةُ الوحيدةُ التي تستطيعُ تبديلَها بهذا الإيقاع، هي الجهةُ التي تَصدرُ منها.

في حادثةٍ ترويها إيمي، طلبَ حبيبها السابق سيارةَ أوبر من بيتها. تقدّمت — يا للمصادفةِ المهذّبة — سيارةُ اللكزس نفسُها. الرقمُ المُسجَّلُ في تطبيق أوبر مطابقٌ تماماً للوحةِ السيارة، لكنّ السيارةَ خاليةٌ من أيّ شعارٍ تجاري. السائقُ يتحدّثُ بلكنةٍ متعثّرة. الوجهةُ التي طلبها الراكبُ صارت تفصيلاً عابراً.

كانت العمليةُ كلُّها رسالةً واحدة: "نحن هنا. نحن نعرف أنكِ تعرفين أننا هنا. ولا يمكنكِ فعل شيء".

حُروق بِلا نار

ثم تطوّر الأمر. خرجَ من حدودِ المراقبةِ ودخلَ في حدودِ الجسد.



قالت إيمي لميلبورن إنّها كانت تكتبُ على لوحةِ المفاتيحِ ذاتَ مساء، حين بدأت تشعرُ بحرقٍ في أصابعها. ليس وخزاً. ليس ألماً عضلياً. حرقاً، كأنّ أحداً ما، في مكانٍ ما، يُسلِّطُ مكواةً مسطّحةً على بشرةِ يدهامكواةً غيرَ مرئيّة، تتحرّكُ مع تحرّكِ أصابعها على الأزرار.

الحاسوبُ الذي كانت تكتبُ عليه لم يكن متصلاً بشبكة. لا واي فاي. لا إنترنت. لا بلوتوث. كانت محترفةً بما يكفي لتعزلهُ عن العالمِ الرقمي تماماً، وتعرفُ أنّ كلَّ منفذٍ مفتوحٍ هو طريقٌ لمن يريدُ الدخول.

لكنّها أيضاً كانت عالمةً لا تُخدَع بسهولة. شرحت لميلبورن منطقَ ما يحصلُ بدقّةٍ تُذهلكَ بقدرِ ما تُرعبُك:
"لا يمكنك الولوج لحاسوبي. لأن هذا الحاسوب لا يحمل بطاقة واي فاي. لا يمكنك اختراقه. لكن يمكنك ربما الحصول على صورةٍ ثلاثية الأبعاد لي وأنا أكتب".

ما تصفهُ إيمي هنا ينتمي إلى عائلةٍ من التقنياتِ المعروفةِ في الأدبياتِ العسكرية باسم Through-Wall Radar (الرادار العابرُ للجدران)، وهي فرعٌ من الأسلحةِ الموجَّهةِ بالطاقة (Directed-Energy Weapons). موجودةٌ في الأبحاثِ المنشورةِ منذ تسعينياتِ القرنِ الماضي. ما لم يكن موجوداً — على الأقلِّ في النشراتِ الرسمية — هو استخدامُها كأداةِ تعذيبٍ يوميٍ لكاتبةٍ مدنيّةٍ في غرفةِ نومها.

تخيّل: أنتِ تجلسين في كرسيكِ الخشبيِّ القديم، أمامَكِ شاشةٌ بيضاء، وأمامَ الشاشةِ لوحةُ مفاتيحَ مألوفة. أصابعُكِ تكتبُ مقالاً، أو رسالةً لصديقة. وفي الوقتِ نفسهِ بالضبط، خلفَ الجدارِ المُقابلِ لشقّتِكِ، يجلسُ شخصٌ يضعُ سمّاعاتٍ على أذنيهِ وينظرُ إلى شاشة، ويرى كلَّ حرفٍ تكتبينهُ قبلَ أن تنهي الكلمة. وحين يقرّرُ — حسبَ مزاجهِ أو حسبَ تعليماتٍ يتلقّاهاأن يعاقبكِ على جرأتكِ في الكتابة، يضغطُ زرّاً صغيراً، فيرتفعُ شعاعٌ غيرُ مرئي، وتشتعلُ أصابعُكِ.

الصَّوت داخِل الجُمجمة

ثم جاءت الضربةُ الأخيرة. السلاحُ الذي لا تنفعُ معه عوازلُ ولا جدران:
V2K — Voice to Skull
.



الفكرةُ ببساطةٍ شيطانية: موجاتٌ ميكروويفية مُعدَّلة، تُوجَّهُ نحوَ رأسِ الهدف، تخترقُ الجمجمةَ كأنّها ورقةُ سيلوفان، وتتفاعلُ مباشرةً مع القشرةِ السمعيّةِ في الدماغ. النتيجةُ: الهدفُ يسمعُ صوتاً — لكنّ الصوتَ لا يأتي من الأذن. يأتي من الداخل.

براءاتُ الاختراعِ المتعلّقة بهذا المبدأ موجودةٌ ومُسجَّلة. أبرزُها براءة الاختراع الأمريكية رقم 4,877,027 المُسجَّلةُ باسم Brunkan عام 1989، تحتَ عنوانٍ مهذَّبٍ هو "Hearing System". ابحث عنها في قاعدةِ بياناتِ مكتبِ براءاتِ الاختراعِ الأمريكي إن شككت. الوثيقةُ هناك، بنفسِ الترقيمِ الجافّ الذي يُعطى لأيِّ اختراعٍ — لمكنسةٍ كهربائيّة، أو لقفلِ سيارة، أو لنظامٍ يزرعُ الأصواتَ في رأسِ إنسان.

النتيجةُ المرعبةُ التي تُوصلُ إليها هذه التقنية: الضحيّةُ لا تشعرُ أنّها تسمعُ صوتاً. تشعرُ أنّها تفكّر.

هذا، في رأيي، أبشعُ ما اخترعهُ الإنسانُ منذ المقصلة. تخيّل: أنتَ جالسٌ في غرفةِ المعيشة، تُشاهدُ فيلماً سخيفاً. فجأةً، خاطرة: "ما الفائدة؟ هذه الحياةُ لا تَستحقّ". لم تكن حزيناً قبلَ ثانية. كنتَ تَضحكُ على نكتةٍ في الفيلم. وبعدَ ربعِ ساعة: "الجميعُ سيكونون أفضلَ بدوني". ثم بعدَ ساعة: "الانتحارُ ليس بهذا السوء".

وحينما تذهب إلى طبيبكِ النفسي وتُخبرهُ بهذه الأفكار، يكتبُ في ملفّكِ: "المريض يُظهرُ أعراضَ اكتئابٍ سريري مع أفكارٍ انتحارية. تُوصى بمضادّاتِ اكتئابٍ ومتابعة". لأنّ الطبيبَ النفسيَّ، المسكين، لم يدرسْ في كليّتهِ شيئاً اسمُهُ "الأصواتُ المزروعةُ بالميكروويف"، ولن يدرسَهُ أبداً، لأنّ الجامعاتِ الكبرى لا تدرّس ما يجعلُ خرّيجيها يطرحون أسئلةً حول الجهةِ المُموِّلة.

جوهرُ هذا السلاح، عبقريّتهُ المظلمة، هو أنّه يجعلُ الضحيّةَ تتعاونُ مع قاتلها — بل تطلبُ من قاتلها أن يُعجِّل العمليّة، لأنها لا تُطيقُ هذه "الأفكار" التي تظنُّها أفكارَها. سَأتوقفُ لحظةً هنا، لأنه عِندما يَجتمع كلُّ هذا، يَجعلني أتسائل، أتسَائل في الاتِّجاه المُعاكس: ماذَا لَو؟

ماذا لو كانت إيمي إسكريدج تُعاني فعلاً من اضطرابٍ نفسيّ؟ ماذا لو كانت السيارةُ السوداءُ مجرّدَ سيارةِ جارٍ يَعملُ في وَردياتٍ غريبة؟ ماذا لو كانت الحروقُ في أصابعها أعراضَ متلازمةِ النفقِ الرسغيّ، أو حتى مظهراً من مظاهرِ القلقِ المُزمن؟ ماذا لو كان الصوتُ في رأسها هو ما يُسمّيهِ الأطبّاءُ النفسيّون "هلوساتٍ سمعيّة" من الدرجةِ الأولى — تلك التي تُصيبُ نسبةً معروفةً من البشرِ في مرحلةٍ ما من حياتهم؟

هذا احتمالٌ قائم. لن أُقلّلَ من شأنه. لو كانت إيمي وحدَها، ولو لم تكن عالمةً متخصّصةً في فيزياءِ البلازما، ولو لم تكتبْ بياناً قبلَ شهرٍ من موتها يَنفي انتحاراً لم يَقع بعد، ولو لم يكن في الأشهرِ نفسِها أكثرُ من عشرةِ علماءَ آخرين يَنسحبون من الحياةِ بطُرقٍ أنيقة … لقُلتُ: نعم، الأرجحُ أنّها كانت مريضة.

لكنّ كلَّ هذه الاحتمالاتِ، حين تَجتمعُ في حياةِ امرأةٍ واحدة، تَتحوّلُ من احتمالاتٍ إلى مصادفات. والمصادفاتُ، حين تَتراكم، لا تَعودُ مصادفات. تَصيرُ شيئاً آخر. لا أَعرفُ بالضبط ما اسمُهُ في القانون. لكنّي أَعرفُ ما اسمُه في الفِطرة.

الخاتمة

أَنهي مَقالي هذا يا قارئي وأنا أَعلمُ أنّ ثمَّةَ بينَنا — أنا وأنتلحظةً غريبةً تَتشكّل. لحظةٌ يَختلطُ فيها التشكُّكُ بالإيمان، والسخريةُ بالخوف، والاستهانةُ بالقشعريرة. ربّما تُخبرُكَ ذاكرتُكَ، الآن وأنتَ تَقرأ، بصوتٍ هادئ:
"كلُّ هذا مَجرّدُ مقالٍ على الإنترنت. اقرأهُ، انسَه، وَامضِ. الحياةُ أَبسطُ بكثيرٍ ممّا يَصِفُها هذا الكاتب. لا تُتعِب نفسَك".
تَهانيَّ. لقد سَمعتَ صوتاً للتو. هل هو صوتُك؟ هل هو صوتُ شخصٍ آخرَ يَهمسُ إليكَ من خلفِ جدارٍ لا تَراه؟ لا تَملكُ إجابةً قاطعة. وعدمُ امتلاكِكَ للإجابة، هو في حدِّ ذاتِه، الجوابُ المُفزع.

أنا لا أَطلبُ منكَ أن تُصدِّقَ كلَّ كلمةٍ كَتبتُها. لا أَطلبُ منكَ أن تَخرجَ غداً صباحاً وتُمشّطَ شُقّتكَ بحثاً عن كاميراتٍ مخفيّة، أو أن تَقطعَ الإنترنتَ وتَرتديَ قُبّعةَ القَصدير. هذه السذاجةُ لا تُليقُ بك، ولا تُليقُ بي. أَطلبُ منكَ شيئاً واحداً، أبسطَ بكثير، وأَعمقَ بكثيرٍ في الوقت نفسه: أن تَتوقّفَ، ولو مرّةً، عن الإيمانِ الساذج. لا تُصدّق أنّ كلَّ مَن قيلَ إنّه انتحرَ قد انتحرَ فعلاً. لا تُصدّق أنّ كلَّ مَن وُصِفَ بأنّه "مُختلٌّ نفسياً" كان كذلك حقّاً. لا تُصدّق أنّ كلَّ ما تَراه في الأخبار هو ما حَدَث. لا تُصدّق أنّ كلَّ ما لا تَراه فيها لم يَحدث. لا تُصدّق أنّ السكوتَ الجماعيَّ على قضيّةٍ يَعني أنّها لم تَحدث العكسُ، في الغالب، هو الأَصحّ: ما يُصمَتُ عنه، يَحدث. وما يَحدثُ بصخب، غالباً ما يكونُ مُصمَّماً ليَصرِفَ نظرَكَ عمّا يَحدثُ فعلاً.

اِقرأ اسمَها مرّةً أخيرة. إيمي إسكريدج. صَوّتْه في فمِكَ كما لو كنتَ تَتذكّرُ صديقةً قديمة. لأنّ الذكرى، يا صديقي، هي آخرُ سلاحٍ يَملكُه المَيت. وحين تَنطفئُ الذكرى، يَموتُ المَيتُ موتةً ثانية، أَفظعَ من الأولى، لأنّها هذه المرّةَ بأيدينا نحن، نحنُ الأحياء، نحنُ الذين لم نَفعلْ شيئاً.

وحينَ تُغلقُ هذا المقال، وتَنامُ الليلةَ، وتَسمعُ صوتاً صغيراً في مؤخّرةِ رأسِكَ يَقولُ لكَ: "لا شيءَ من هذا حقيقي"، تَوقّف لحظة. واسأل نفسَك: "وإن كان حقيقياً … ماذا أَفعلُ بهذه المعرفة؟" الجوابُ على هذا السؤالِ هو ما سيُحدِّدُ، في النهاية، إن كنتَ مُجرَّدَ قارئٍ آخر، أم شاهداً يَستحقُّ أن تُكتَبَ شهادتُه.

تحرير، تدقيق ومراجعة: أزيز الصمت.

المصدر:

Youtube

Wikipedia

Mexc

Wikipedia

Hiroko org

Patents google

Francmilburn

Wikipedia

كتاب Annie Jacobsen: Operation Paperclip: The Secret Intelligence Program that Brought Nazi Scientists to America

https://kabbos.com/%d8%a5%d9%8a%d9%85%d9%8a-%d8%a5%d8%b3%d9%83%d8%b1%d9%8a%d8%af%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%8a-%d8%b9%d9%8e%d8%b1%d9%81%d8%aa-%d8%a3%d9%83%d8%ab%d8%b1-%d9%85/

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

السلام عليك يا صاحب الزمان وخليفة الرحمن

 السلام عليك يا صاحب الزمان وخليفة الرحمن