كرمل: (فلسطين المحتلة)
بين الحبِــ..قلوب معلقة..ـِـوالموت
لطالما مرت علينا قصص
الحب في الحكايات والروايات، تلك التي تبدأ بلقاء بسيط، وتنمو بهدوء بين قلبين، اختارا أن
يمضيا في الحياة معًا، يقتسمان الأيام بحلوها ومرها، وسرورها وأحزانها،
ويظلان متلازمين ما امتد بهما العمر، حتى يفرق الموت بينهما.
لكن ماذا لو لم يكن
الموت هو النهاية؟
كيف سيكون إذا لم يكن
بين شخصين من نفس العالم؟
حين يكون أحدهما حيًا
يعيش بيننا، والآخر قد رحل إلى مكان لا نراه ولا نعرف عنه؟
بل الأغرب من ذلك، حين
لا يكونوا موجودين من الأصل!
عزيزي القارئ… هناك قصص لن يرويها لك أحد
بسهولة، لا لأنها غير موجودة، بل لأنها تقف على حافة دقيقة بين ما يُحتمل سماعه وما يثقل على القلب
تصديقه.
إنها حكايات عن أناس حاولوا أن يمنحوا الموت شكلًا آخر غير الذي نعرفه.
قصص لا تُقال في جلسات
عابرة، ولا تُروى كترفيه، بل تُحكى على استحياء، وكأن الكلمات نفسها تتردد قبل أن
تخرج.
إيرين جودار:
بدأ كل شيء من هنا… في
الثاني من ديسمبر عام 1959، شمال فرنسا.
كان سد مالباسيت يقف
بهدوء في وادي فريجوس، يحتجز خلف جدرانه الخرسانية ملايين الأمتار من المياه.
وفي تلك الليلة، انهار
فجأة، واندفعت موجة عالية تجاوزت العشرين مترًا، اجتاحت القرى والمزارع في طريقها،
لا تفرق بين شيء وآخر.
وفي دقائق قليلة فقط…
غرق المئات من النيام في غمضة عين.
كانت كارثة قاسية، ما
زالت تُذكر كواحدة من أشد ما شهدته فرنسا في القرن الماضي.
ومن بين الذين قضوا في
تلك الليلة كان فريدريك أندريه كابرا، شاب في مقتبل عمره، يتطلع لعيش بسيط وهادئ مع
خطيبته إيرين، وكان زفافهما يقترب، لم يتبق له سوى بضعة أيام، حتى حلت الكارثة.
ومات وهو يحاول إنقاذ
والدتها العجوز، وتُركت حينها إيرين وحيدة، حاملًا بطفلهما، في زمن كان الأطفال غير الشرعيين يُهمشون من
المجتمع، ويُمنعون من حقهم بالميراث.
بعد أسبوع، زار الرئيس
شارل ديغول المنطقة المنكوبة.
حينها اقتربت منه
إيرين من بين الجموع، وترجته أن يسمح لها بالزواج من فريدريك.
أصبحت قصتها حديث
الناس، وحظيت بتعاطف واسع، حتى أن الصحافة أطلقت عليها لقب (الخطيبة الصغيرة لفريجوس وفرنسا)، وغدت بطلة
رومانسية في عيون فتيات زمانها.
أخيرًا حققت رغبتها
بعد أيام قليلة، حين أُعلن عن السماح بالزواج من الموتى للجميع، في وقت كان حكرًا على الجنود
الذين يُقتلون في الحرب.
*** *** *** *** ***
والباب الذي فتحته لم
يُغلق أبدًا … بل بقي مفتوحًا لقصص أخرى تشبهها، تختلف وجوهها ويتشابه وجعها.
كريستيل ديمشيل:
تعرفت كريستل على
الضابط إريك في باريس عام 1997، وبعد سنوات من المواعدة، انتقلا لمدينة نيس، ليبدآ
تحضيرات الزواج.
لكن ذلك لم يدم طويلًا…
ففي مساء يوم، بينما
كان إريك يستقل دراجته عائدًا من عمله، دهسه سائق مخمور، وفر هاربًا تاركًا إياه ينزف حتى
الموت على قارعة الطريق.
ومرت الأيام ثقيلة،
حتى أجهضت كريستل طفلهما بعدها بوقت قصير.
ولأن المصائب لا تأتي
فرادى، فقد حُكم على القاتل بسنتين سجن فقط، رغم أنه ذو سوابق ومعروف لدى الشرطة.
بعد شهور على الحادث،
قررت كريستل أن تكتب رسالة للرئيس الفرنسي جاك شيراك، بأن يمنحها الإذن أن تتزوج
من حبيبها المتوفى.
ولم تخب آمالها، حيث
تمت الموافقة على طلبها.
وأُقيم الزفاف في العاشر من فبراير سنة 2004، وهو يصادف عيد ميلاد إيريك
الثلاثين، بحضور الأهالي والأصدقاء والصحافة … وصورة كبيرة
لإريك!
صرحت لاحقًا أنها تعلم
أن ما أقدمت عليه غريب، لكنها لم تحتمل القهر، والزواج خفف عنها قليلًا.
ماغالي جاسكيويتز:
عاش جوناثان وماغالي
حياة هادئة في قريتهم شرق فرنسا، برفقة طفلتيهما، بعد قصة حب امتدت ست سنوات، قررا أخيرًا
الزواج، وبدآ يخططان بسعادة لمستقبلهم القادم، قبل أن ينتهي كل هذا في
لحظة لم يستعدا لها قط…
بعد يومين من تحديد
موعد العرس، تعرض جوناثان لحادث سير أثناء قيادته، لم ينجُ منه.
ورغم مرور سنة على
وفاته، لم تستطع ماغالي تجاوز رحيله، وقررت أن تكمل ما بدأه الاثنان معًا.
في الرابع عشر من
نوفمبر عام 2009 … في قاعة "لو ميري" ذاتها التي كان يُفترض أن يُعقد فيها الزفاف، وسط مجموعة من الأصدقاء
والمقربين، ارتدت ماغالي فستانها الأبيض وخاتمها الذي أهداها
إياها.
وجلست على كرسي
بجانبها صورة لجوناثان، وأتمت العرس برفقة قسيس، تولى قراءة العهود بدلًا منه.
لتصبح زوجته وأرملة في
اليوم نفسه!
*** *** *** *** ***
وفي مكان آخر بعيد عن
أوروبا … تبدأ حكاية لا تقل غرابة.
تشاديل ديفي:
في قلب سورين
التايلاندية، تعرف تشاديل على فتاة في جامعته تدعى سارينيا.
رغم أنها تكبره
بعامين، إلا أنهما لم يجدا مانعًا من الارتباط.
وبعد شهور من
اللقاءات، أخبرته أن يُعجل بخطبتها من عائلتها، لكنه طلب أن يؤجل الأمر حتى يكمل
دراسته ويجمع المال الكافي.
حزنت سارينيا، لكنها
وافقت في النهاية، وظلت تنتظره…
حتى انقضت عشر سنوات
من الانتظار، ورغم عمل تشاديل منذ وقت طويل، إلا أنه ظل يتحجج كل مرة.
حتى في يوم من عام
2012، كانت تقوم بعملها كسائقة أجرة على دراجتها، وصدمتها سيارة مسرعة، نُقلت على إثرها
للمشفى، لتموت بعد أيام قليلة متأثرة بإصاباتها.
أحس تشاديل بالندم بعد
سماعه للخبر، وأقسم أنه سيكفر عن ذنبه.
توسل عائلتها أن لا
يُعجلوا بدفنها، وجلبوها لمعبد قريب من بيتهم بعد تجهيزها جيدًا، حيث أقاموا
الجنازة والعرس معًا.
أحدثت قصتهم ضجة عارمة
في تايلاند والعالم، خاصة بعد نشر تشاديل صور العرس على حسابه بالفيسبوك، وانقسم
الناس بين متعاطف ومهاجم.
لكنه قال إنه لم يفعل
فعلته لأجل الشهرة كما يتهمه البعض، بل أراد فقط أن يُسعد رفيقته في الآخرة، وأن يحقق لها
الوعد الذي لم يستطع فعله في حياتها!
*** *** *** *** ***
ثم هناك في أطراف أخرى
من العالم … تنتظرك حكايات من نوع ثانٍ، حيث المعتقدات والعادات أقدم من الجميع.
تشاندابا كولال:
في قرية هادئة بولاية
كارناتاكا في جنوب الهند، في أوائل التسعينيات، رُزقت إحدى العائلات بطفلة جميلة، أسموها
شوبها، لكنها لم تعش طويلًا، وتوفيت وهي بالكاد تبلغ الشهر، بعد أن
اختنقت بالطعام وتأخر أهلها في إنقاذها!
وعلى مسافة ليست
بعيدة، رُزقت عائلة أخرى بطفل أسموه تشاندابا، لكنه مات بعد أسبوع من ولادته، بعد أن أصابه مرض غريب لم يستطيعوا
علاجه.
ساد الخوف بين
الأهالي، وتسرب معه معتقد يتوارثه الأجداد منذ مئات السنين: من مات صغيرًا ولم يتزوج لن تنعم روحه بالراحة،
وسيجلب النحس لعائلته، خاصة لإخوته.
ولكي يتخلصوا من
اللعنة، عليهم أن يقوموا بتزويجه بعد بلوغه السن المتعارف عليه.
وفي 2022، بعد ثلاثين
عامًا من الانتظار، اجتمعت العائلتان في بيت أهل شوبها، وقاموا بعمل زفاف صغير لها
ولتشاندابا، بعد أن استعانوا بدمى محشوة تمثلهما.
وعلى عكس أعراس الموتى
المعروفة بطابعها الحزين، فإن الأمر مختلف تمامًا في الهند، حيث ستجد الاحتفال هناك مرحًا
ومبهجًا، مليئًا بالضحكات والمزاح بين الأهالي، وتُعزف فيه الموسيقى، كما
تُقدم فيه صنوف الطعام مع الهدايا، كأي مناسبة عادية.
ولا تزال تلك العادات
موجودة حتى يومنا، بالذات في ولايتي كارناتاكا وكيرالا.
لي تشاولونغ:
عام 2008، في دار
الجنازة في منطقة هينان بالصين، كان الناس يتوافدون لمواساة عجوز فقدت ابنها الوحيد، يدعى "لي تشاولونغ"،
بعد صراع طويل مع سرطان الدم.
في الواقع، لم تكن
الأم حزينة على وفاته فقط، بل لأن كبار العائلة رفضوا دفنه بمقابرهم، لأنه مات قبل
أن يتزوج، فلا يحل له ذلك، حيث يُنظر للعازب أنه روح غير مكتملة، وقد يجلب
الحظ العاثر للجميع.
وفورًا شرعت أمه
بالتواصل مع خطّابات، وفتشت هنا وهناك بحثًا عن عروس مناسبة لابنها، ولم يطل
انتظارها حتى وجدت ضالتها…
فتاة تدعى "لي
شيويينغ"، تم التواصل مع عائلتها، وتفاوضوا حول يوم الزفاف والتجهيزات وكل شيء، في وقت كان جسدها ينهار بصمت
بسبب مرحلة متقدمة من الفشل الكلوي.
حتى جاء يوم لم تعد
قادرة على التحمل أكثر … وأسلمت الروح.
رغم موتها، واصلوا
الترتيبات كلها، فهي الأخرى لن يُسمح لها أن تُدفن في مقابر العائلة إن لم تتزوج!،
وفي جنازتها أقاموا العرس.
*** *** *** *** ***
لكن الدافع ليس واحدًا
دومًا…
ففي زوايا بعيدة أخرى…
كان تكريمًا أخيرًا
للحب…
يانغ جينغشان:
التقى الشابان – يانغ
ولي – في ماليزيا، ونشأت بينهما صداقة عميقة لم تلبث أن صارت حبًا.
وبعد انقضاء ثلاث
سنوات، قرر يانغ مفاجأتها برحلة سياحية إلى بانكوك في تايلاند، ليحتفلا بعيد
ميلاده سويًا ويتقدم لها هناك.
لكن في 24 مايو عام
2024، بينما كانا يستقلان السيارة عائدين من حفلة لصديقهم، تعرضا لحادث مروري أودى
بحياتهما.
ووفاءً لهما، قامت
أسرتاهما بتزويجهما في قاعة الجنازة قبل دفنهما، واعتبرت عائلة يانغ "لي" كنتهم
الرسمية، كما قاموا بتعليق صور لهما معدلة بالذكاء الاصطناعي على الجدار، تظهر فيها "لي"
مرتدية فستانها الأبيض بجانب يانغ، ولا تزال هناك حتى يومنا هذا تخليدًا
لذكراهما.
دايفيد ماسينتا:
في إحدى قرى سيريس
الريفية في جنوب إفريقيا، تعالت صرخات شجار من كوخ عائلة ماسينتا، تبعها صوت إطلاق
نار.
هرع الناس هناك، حيث
عثروا على جارتهم الشابة مغوانيني غارقة بدمائها، بجانبها جثة خطيبها دايفيد ممسكًا السلاح
بيديه، كان قد قتلها أولًا ثم أنهى حياته بعدها.
أثارت الجريمة ضجة بين
الأهالي، فكان دايفيد جارهم معروفًا بهدوئه ولطفه، عاش مع خطيبته – الحامل وقتها – أكثر
من ثلاث سنوات في سلام يحسده عليه الكثيرون.
حتى جاء ذاك اليوم،
ولا أحد يعرف سبب الشجار.
بعد أيام قليلة، أواخر
أغسطس 2004، في جنازتهما، اجتمع أهالي القرية، وألبسوا دايفيد بدلة أنيقة، ومغوانيني
فستانًا، حيث أقام الكاهن مراسم زفافهما. أرادت عائلتاهما أن يتذكرهما
العالم لا كقاتل وضحية، بل كثنائي كانا مقدرين لحياة جميلة معًا!
ختامًا…
لا تزال أعراس الموتى
حاضرة في أنحاء عدة، وما سلف ذكره ليس سوى قطرة من بحر، إذ ما تزال الكثير من
الحكايات حبيسة الستر والسكوت.
حكايات لا تصل إلى
العلن، بل تُمارس في صمت وتُروى همسًا، كأنها جزء خفي من هذا العالم لا يُراد له
أن يُكشف بالكامل.
وفي كل مرة تطفو
إحداها إلى السطح، لا تضيف لنا إجابة بقدر ما تفتح بابًا جديدًا للتساؤل … عن حدود ما نعرفه، وعن الأشياء
التي تستمر في الحدوث، حتى ونحن نظن أننا فهمنا العالم بما
يكفي.
*** *** *** *** ***
ما رأيك أنت، عزيزي
القارئ؟
● هل ترى في بعض هذه القصص
تعبيرًا عن الحب والوفاء … أم أنها في حقيقتها محاولة للهروب من ثقل الفقد بطريقة
ما؟
● هل هذه الطقوس تُهدئ القلب
فعلًا أم تُعيد فتح الجرح؟
تحرير، تدقيق ومراجعة: أزيز الصمت.
صور وجرافيك: رميساء.
المصدر:
Wikipedia
Google









ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق