باسم عبد المجيد (كاتب من صعيد مصر .. بدأ
رحلته مع الكتابة في موقع كابوس عام 2012 تحت اسم
"باسم الصعيدي" .. يكتب بأسلوبه الذي يمزج بين الرعب الواقعي والتحليل
النفسي والبحث التاريخي .. ليقدّم نصوصًا تحمل فكرًا أدبيًا عميقًا يكشف
الجانب الخفي من الإنسان و الحياة. للتواصل 12bassem22@gmail.com):
أحياء بلا شعور..الذين فقدوا جزءًا من داخلهم
المقدمة
في الحياة.. هناك
فراغات لا تراها العيون.. مساحات خفية في الداخل حيث تنسحب أجزاء من شعور الإنسان بلا ضجيج ولا صراخ.. أحياء
يواصلون الحركة والكلام والابتسامات.. لكن جزءًا من وجودهم
اختفى.. وكأن تجربة الوعي الأساسية فقدت رابطها بهم.. نحن نميل إلى قياس الحياة
بما يُرى أو يُسمع.. لكن أعظم الخسائر
أحيانًا هي ما يبقى صامتًا.. ما يختفي دون أن نلاحظه.. هؤلاء الذين يعيشون بنقص
غير مرئي يعلمون سرًا لا يفهمه الكثيرون: أن الرعب الحقيقي ليس فقدان العقل.. بل فقدان شعورك بنفسك وأنت ما
زلت تمضي في الحياة.
(الإحساس بأنك شخص زائد عن الحاجة)
في دراسة مطولة أجرتها
جامعة هيدلبرغ على موظفين لا يعانون أي اضطرابات نفسية مصنفة.. ظهرت حالة رجل ألماني في
منتصف الخمسينيات.. مستقر مهنيًا.. متزوج.. مندمج اجتماعيًا.. وعندما سُئل عن شعوره تجاه وجوده قال
بهدوء أربك الباحثين.. لو اختفيت غدًا فلن يضطر أحد لتغيير خطته.. لم يكن يشكو..
ولم يبالغ.. كان يصف يقينًا داخليًا بأن وجوده
لا يُحدث فرقًا.. الأطباء وصفوا الحالة بفراغ وظيفي وجودي.. شعور ثابت بأن
الإنسان يؤدي دورًا يمكن الاستغناء عنه دون أن يترك أثرًا .
الجملة نفسها تقريبًا
قيلت في قرية صعيدية على لسان رجل خرج إلى المعاش بعد ثلاثين عامًا من العمل الحكومي.. قال
لجاره وهو يغلق باب منزله عند الغروب.. كنت أملأ خانة.. وحين امتلأت
أُغلقت.. لم يكن ساخطًا.. كان يقرر حقيقة باردة.. هنا يتقاطع الإنسان عبر
الجغرافيا.. أن تعيش عمرًا كاملًا ثم تكتشف أنك كنت موجودًا لأن المكان كان
شاغرًا فقط .
(أشخاص لا يعرفون معنى الحنين)
نشرت Journal of Affective Neuroscience تقريرًا عن مهاجر بولندي عاد إلى قريته بعد خمسة وعشرين عامًا.. وقف أمام بيت
الطفولة.. لمس الجدار.. دخل الغرفة التي كان ينام فيها.. ولم يشعر بشيء.. قال
للطبيب.. المكان صحيح.. لكن الإحساس غائب.. أظهر التصوير
العصبي ضعفًا في تنشيط مراكز الذاكرة العاطفية دون أي تلف دماغي.. الماضي
حاضر كصورة.. غائب كشعور .
وفي شهادة عربية
موازية.. عاد رجل عاش عقودًا في الغربة إلى قريته بعد وفاة والدته.. دخل المنزل.. جلس دقائق ثم غادر.. قال لمن
سأله.. كنت أظن أن قلبي سينهار.. لكنه لم يتحرك.. هنا لا يموت
الحنين.. بل لا يحدث أصلًا.. كأن باب العودة لم يُبنَ يومًا .
(الإحساس بأن شخصًا آخر يعيش حياتك
نيابة عنك)
في مستشفى ماودسلي
بلندن.. وُثقت حالة شابة تشعر أن حياتها تُدار من خارجها.. تتكلم.. تتحرك.. وتتخذ قرارات
سليمة.. لكنها لا تشعر بملكية هذه الأفعال.. وصفت حالتها بقولها.. كأنني أشاهد
نفسي من خلف زجاج سميك.. صنف الأطباء الحالة كاضطراب في الإحساس بالوكالة الذاتية
دون ذهان أو هلوسة .
وفي رواية عربية
مشابهة.. قالت امرأة في أواخر الثلاثينيات لطبيبها النفسي.. أؤدي دوري كأم وكزوجة.. أفعل كل ما ينبغي
فعله.. لكنني أشعر أن شخصًا آخر يعيش حياتي بدلًا مني.. هنا لا
يفقد الإنسان عقله.. بل يفقد إحساس القيادة الداخلية.. يعيش حياته كموظف
لا كصاحب قرار .
(الخجل من مجرد الوجود)
وثقت دراسات يابانية
في السلوك الاجتماعي ما سُمي بالخجل الوجودي.. حيث يشعر الإنسان بالذنب لمجرد أن صوته مسموع أو وجوده
ملحوظ.. أحد المشاركين كان يعتذر تلقائيًا عند دخوله غرفة فارغة..
لا لسبب.. سوى لأنه دخل .
وفي بيئات عربية كثيرة
يظهر الشكل ذاته بلغة التربية.. شاب كتب في مذكراته.. نشأت على أن الصوت المرتفع خطأ..
والضحك الكثير تجاوز.. كبرت وأنا أشعر أن وجودي نفسه يحتاج إلى اعتذار..
هنا يتحول الخجل إلى شعور أخلاقي بالذنب لمجرد الظهور .
(تذكّر مشاعر لم تعد موجودة)
في حالات موثقة بعد
صدمات نفسية عميقة.. يفقد الإنسان القدرة على الإحساس بمشاعر معينة مع بقاء معرفته بها..
رجل فقد ابنه في حادث قديم قال للطبيب.. أعلم أنني كنت أحبه.. أستطيع وصف
الحب.. لكن الإحساس ذاته غائب .
وفي شهادة عربية
موازية.. قال أب فقد ابنته.. أتذكر شكل الألم.. لكن الألم نفسه لا يعود.. كأن المشاعر لغة قديمة لم يعد
الجسد يتحدثها.. هنا لا تموت العاطفة فجأة.. بل تنسحب ببطء.. وتترك
أثرها كظل .
(الإحساس بأن الاسم لا يخصك)
في أبحاث عن اضطرابات
الهوية اللغوية.. وُثقت حالات يشعر فيها المصاب بأن اسمه غريب عنه.. قال رجل بريطاني.. حين
يُنادى اسمي ألتفت لأنني أظن أنهم يقصدون شخصًا آخر.. دون فقدان ذاكرة أو
انفصال مرضي .
وفي رواية عربية مشابهة..
قال رجل.. اسمي صحيح على الأوراق.. لكنه لا يشبهني حين يُنطق.. الاسم هنا يفقد
وظيفته كمرآة للذات .
(أشخاص لم يشعروا أنهم استيقظوا
يومًا)
في حالات تفكك مزمن
موثقة أوروبيًا.. يشعر الإنسان أن حياته بأكملها حلم طويل بلا لحظة يقظة واضحة.. قال أحد المرضى.. لا أذكر
متى بدأت حياتي الحقيقية.
وفي شهادة عربية..
قالت امرأة.. أشعر أنني أنتظر حدثًا منذ سنوات.. لكنه لا يحدث أبدًا.. هنا يعيش الإنسان في يقظة ناقصة.. لا
نوم كامل ولا صحو مكتمل .
(الخوف من أن تكون النهاية قد حدثت
بالفعل)
في دراسات قريبة من
متلازمة كوتار دون ادعاء الموت.. وُجد أشخاص يشعرون أن الحدث الأخير في حياتهم وقع بالفعل.. وما تبقى مجرد
زمن إضافي بلا معنى.. قال أحدهم.. انتهت القصة وأنا ما زلت
أتحرك داخلها .
وفي شهادة عربية.. قال
رجل نجا من حادث مميت.. أشعر أنني مت هناك.. وكل ما يأتي بعد ذلك وقت زائد غير محسوب.. هنا
لا ينتظر الإنسان شيئًا.. لأنه يعتقد أن كل شيء قد حدث وانتهى .
(المرآة التي لا تطمئن)
في تجارب الإدراك
البصري تحت العزلة.. سجل مشاركون شعورًا بأن ملامحهم تنزلق ببطء في المرآة.. لا تحولًا كاملًا.. بل اختلالًا
طفيفًا يزعزع الإحساس بالذات.
وفي شهادة عربية.. كتب
طالب عاش عزلة طويلة.. أبتسم فأجد وجهي يتأخر عني.. كأن التعبير يصل متأخرًا.. هنا لا
تخيف المرآة لأنها تكذب.. بل لأنها لا تؤكد.
(الفرح الذي يعقبه ذنب)
في دراسات عن البرمجة
العاطفية المبكرة.. وُثقت حالات يشعر فيها الإنسان بالقلق أو الذنب فور إحساسه بالسعادة.. قالت إحدى
المشاركات.. كل ضحكة إشارة خطر .
وفي شهادة عربية..
قالت امرأة.. حين أفرح أترقب المصيبة.. الفرح لا يمنحني طمأنينة.. هنا يتحول الفرح
إلى إنذار لا إلى مكافأة .
الخاتمة
هؤلاء لا يسكنون
المصحات.. ولا تتصدر حكاياتهم العناوين الصاخبة.. يعيشون بيننا بوجوه عادية وأدوار
مكتملة.. لكن جزءًا من وجودهم انسحب بصمت من الداخل.. لا يُرى.. ولا يُسمع.. لكنه
حاضر في كل حركة وفكرة.. الرعب الحقيقي ليس أن يفقد الإنسان عقله.. بل أن يفقد
شعورًا جوهريًا بنفسه ..ويُجبر على إكمال الحياة كما لو لم يحدث شيء..
ربما نسميه فراغًا..
ربما غيابًا.. لكنه أكثر من مجرد فقدان.. إنه اختبار صامت للوعي.. لمعرفة ما إذا كانت
حياتنا مجرد سلسلة أفعال بلا ملكية شعورية.. هؤلاء يعيشون حياة مزدوجة: الجسد
حاضر.. والروح منزوعة جزئيًا..
يبتسمون.. يتكلمون.. يتحركون.. لكنهم يدركون أن شيئًا أساسيًا في
تجربتهم الإنسانية غائب..
وفي النهاية.. يسألنا
هذا الغياب: ماذا يبقى لنا حين تتلاشى مشاعرنا الأساسية؟ كيف نعرف أننا أحياء حقًا إذا
اختفى شعورنا بأننا نملك حياتنا؟ ربما يظل هذا السؤال بلا جواب.. وربما يكمن
الجواب في قدرتنا على العيش بالرغم من الفقدان.
تحرير، تدقيق ومراجعة: أزيز الصمت.
صور وجرافيك: رميساء.
المصدر:
Journal of Affective Neuroscience
Frontiers in Psychology
The Lancet Psychiatry
أبحاث جامعة هيدلبرغ
تقارير
مستشفى ماودسلي
دراسات
التفكك والهوية والبرمجة العاطفية









ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق