22
دقيقة…ورَجُلٌ حال بيننا وبين النهاية
في هذا المقال نتحدث
عن خطأ فادح للذكاء الاصطناعي كادت نتيجته أن تكون كارثية جدًا على المليارات من
البشر.
في ليلة هادئة من شهر سبتمبر 1983، حين تجاوزت الساعة منتصف
الليل بدقائق معدودة، كان العالم يغط في نوم عميق، غير
مدرك أن الكوكب في خطر وشيك...
البطل اليوم ليس
جنديًا في المعركة، بل هو عقيد روسي مخضرم اسمه: "ستانيسلاف بتروف"، هذا البطل صاحب الحدس المذهل.
فجأة انطلق إنذار أحمر
بمركز الإنذار المبكر السوفيتي. الشاشة الكبيرة تومض بكلمة مرعبة: "إطلاق".
قمر صناعي
سوفيتي أرسل إشارة رسمية: لقد أطلقت الولايات المتحدة صاروخًا نوويًا باتجاه عاصمة
روسيا، موسكو.
وقف بتروف متأهبًا.
والمعروف أن القاعدة
العسكرية تقول: "إذا هوجمنا يجب أن نرد، وبشكل مباشر، وبكل ما نملك من قوة".
ولكن،
بينما كان الضباط حوله ينتظرون أمره بالضغط على الزر الأحمر، انتظر بتروف لبعض من
الوقت.
سأل نفسه: لماذا
يطلقون صاروخًا واحدًا فقط؟ هل يبدأ الأمريكيون حربًا عالمية بصاروخ واحد فقط؟ أليس من الأفضل إطلاق رشقات
صاروخية كثيفة لضمان النتيجة؟ لم يمهله القدر طويلًا للتفكير،
دوت الصرخة الثانية، ثم الثالثة، والرابعة، وأخيرًا الخامسة.
الرادار الآن يقول:
خمسة صواريخ نووية أمريكية في طريقها لتدمير العاصمة موسكو عن بكرة أبيها.
كان أمام
بتروف حوالي 22 دقيقة فقط قبل أن تسقط الصواريخ وتتحول موسكو إلى بقايا مدينة.
نظام الكمبيوتر كان
يعمل بجودة 100%، والتقارير تقول إن الموثوقية عالية جدًا وليس فيها أدنى شك.
الضباط من حوله كانوا
يصرخون: سيدي، يجب أن نبلغ القيادة السوفيتية فورًا لإطلاق الرد النووي.
المهم حينها، لو اتصل
بتروف بالرئيس السوفيتي في تلك اللحظة، لكان الرد المعروف والأقرب هو إطلاق آلاف الرؤوس
النووية باتجاه واشنطن، ولندن، وأيضًا باريس، والطبيعي أنها ستكون النهاية
الحتمية للبشرية هناك، وربما أيضًا في بعض دول الجوار كذلك، بشكل أقل
نسبيًا.
بتروف كان يملك خيارين
فقط في هذه اللحظة:
إما أن يصدق الآلة الصناعية الذكية، قصدي الغبية، ويبلغ القيادة عن الهجوم،
لتبدأ الحرب العالمية الثالثة ويموت المليارات بالتأكيد
الأكيد والمؤكد.
أو أن يثق بحدسه
وإحساسه، ويعتبر ما يراه عطلًا فنيًا، ويخاطر بأن يُدمَّر بلده دون أن يكون هناك رد إذا كان
الهجوم حقيقيًا، ويا له من خيار صعب.
مرت الدقائق كأنها
سنوات على القائد بتروف.
عرق بارد يتصبب على
جبينه، برغم برودة المكان. نظر إلى الشاشات التي تصرخ، بل وتعوي بعبارة خطر نووي، ثم نظر إلى
رجاله المرعوبين، واتخذ القرار الأصعب في حياته، ورفع سماعة الهاتف.
قال بتروف بصوت هادئ
رغم الرعب الداخلي: إنه إنذار كاذب، أكرر، إنه خلل في النظام.
كانت الدقائق العشر
الأطول والأصعب في التاريخ بالنسبة له ولرفاقه الضباط.
بعد إبلاغه للقيادة
العليا بأنه خلل فني، جلس بتروف ينتظر.
حسنًا، لو كان مخطئًا، لكان سيشاهد وميضًا نوويًا أحمر وهائلًا
من نافذته، ينهي حياته وحياة شعبه بعد دقائق معدودة.
مرت عشر دقائق، لم
يحدث شيء.
خمس عشرة دقيقة، صمت
تام.
عشرون دقيقة، لم تسقط
قنبلة واحدة.
اتضح لاحقًا أن القمر
الصناعي الروسي أخطأ في تفسير انعكاس أشعة الشمس على السحب العالية، وظنها لهيب
انطلاق صواريخ.
يا إلهي، كان حدس
بتروف صحيحًا.
الغريبة أن بتروف لم
يُكافأ في وقتها، بل تم توبيخه لأنه لم يملأ السجلات الرسمية بدقة أثناء الحادثة.
تبًا لهذا النظام.
بعد
الحادثة مباشرة، خضع بتروف لتحقيقات قاسية وصعبة، وبدلًا من شكره على إنقاذ
الكوكب، قام قادته الحمقى بتوبيخه.
وكان السبب المعلن أنه
لم يسجل التفاصيل في الدفتر اليومي أثناء وقوع الحادثة، يا لها من حجة تافهة
وغريبة.
ولكن السبب الحقيقي هو أن الاعتراف ببطولة بتروف يعني اعتراف
القيادة السوفيتية بأن نظامهم الدفاعي، الذي كلف المليارات من
الدولارات، كان فاشلًا ومخطئًا، وهو ما لم تسمح به عزة النفس العسكرية
الاشتراكية آنذاك عند السوفييت.
تم تهميش بتروف ونقله
إلى وظيفة أقل شأنًا، ثم أُجبر على التقاعد السريع، وعاش في شقة صغيرة متواضعة بالعاصمة
موسكو، فقط على معاش تقاعدي تافه جدًا، لسنوات طويلة. لم تعرف حتى زوجته
ما فعله زوجها، وما هو ذنبه من تجريده من عمله، فقد ظل الأمر سرًا عسكريًا
يمنع البوح به بتاتًا، حتى لظله، ولم يعرف العالم قصته إلا بعد سنوات
طويلة من نهاية الحرب الباردة.
وصل به الحال في عقد
التسعينيات إلى الفقر الشديد والمدقع، لدرجة أنه كان يزرع بعض الخضروات في حديقة
منزله ليوفر طعامه.
وعندما تعطل هاتف
منزله الأرضي، لم يملك المال لإعادة إصلاحه، وظل بعزلة عن العالم.
وفي عام 1998 كشف
رئيسه السابق تفاصيل الحادثة في تدويناته، وصدم العالم بهذا الكلام.
فجأة بدأت الوفود
الدولية والعالمية تطرق باب منزله المتهالك عندما علموا بالقصة. حصل على جائزة المواطن
العالمي في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، ولكن بعد فوات الأوان، وقد تمكن
الفقر من إنهاكه.
وتم تصوير فيلم وثائقي
عنه بعنوان: الرجل الذي أنقذ العالم.
والتقى بنجوم عالميين مثل روبرت دي نيرو وكيفن كوستنر، الذين
أرادوا فقط مصافحة الرجل الذي لولاه لما كانوا موجودين اليوم.
رحل ستانيسلاف بتروف
في 19 مايو 2017 عن عمر يناهز 77 عامًا.
المؤلم في الأمر أن وفاته لم يعلم بها العالم إلا بعد أربعة
أشهر، عندما اتصل صديق من برلين ليهنئه بعيد ميلاده، ليخبره
ابنه أن والده قد رحل بهدوء كما عاش.
مات بتروف وهو يقول
دائمًا: أنا لست بطلًا، كنت فقط الرجل المناسب في المكان المناسب.
والآن، هل تعتقدون يا
رواد كابوس أننا اليوم، في عصر الذكاء الاصطناعي، يمكن أن نثق ببتروف آلي لاتخاذ
مثل هذا القرار؟
أم أن الحدس البشري
والطبيعي هو صمام الأمان الأفضل والحقيقي؟؟؟
تحرير، تدقيق ومراجعة : أزيز الصمت.
المصدر:
Wikipedia
Stanislav pitrov goolge







ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق