بنت بحري: (مصر)
الهدية المميتة
هناك لحظات صغيرة تبدو
عابرة في حياة البشر .. لحظات لا يلتفت إليها أحد في وقتها .. لكنها لاحقًا تتحول إلى نقطة
فاصلة في التاريخ .. ربما تكون كلمة قيلت مصادفة .. أو قرارًا اتخذ في لحظة خوف
.. أو حتى عضة كلب في شارع هادئ.
قبل أكثر من قرن، لم
يكن مرض داء الكلب (السعار) مجرد مرض خطير .. بل كان حكم إعدام مؤجل .. من يتعرض لعضة حيوان مصاب به يعيش
أيامًا أو أسابيع تحت ظل مصير معروف سلفًا .. نهاية مؤلمة لا
يستطيع الطب منعها.
لكن في عام 1885 ..
سيقف طفل صغير على حافة هذا المصير .. ثم يغير بغير قصد تاريخ الطب كله.
القصة:
في صباح من صيف عام
1885، كان طفل فرنسي يدعى Joseph Meister يتجول قرب منزله في قريته الصغيرة. لم يكن يتوقع أن
ذلك اليوم سيبقى محفورًا في كتب التاريخ...
فجأة اندفع نحوه كلب
هائج .. لم يكن هجومًا عابرًا .. بل كان الحيوان في حالة جنون حقيقي .. طرح الطفل أرضًا وبدأ يعضه بعنف قبل
أن يتمكن الناس من إبعاده.
عندما انتهى كل شيء ..
كان جسد الصغير يحمل آثار أربع عشرة عضة...
في ذلك الزمن كان
الجميع يعرف ما يعنيه هذا الأمر .. الكلب المسعور لا يترك خلفه جروحًا فقط .. بل يترك عدًّا تنازليًا للموت ..
المرض قد يتأخر قليلًا .. لكنه في النهاية يصل إلى الدماغ ..
وحينها لا يستطيع أحد إيقافه...
المصاب يصل في مرحلة
متقدمة إلى حالة تسمى رهاب الماء...
ورغم أن الاسم يوحي
بأن المريض يخاف من الماء فقط .. فإن الحقيقة أكثر رعبًا بكثير .. عندما يصل الفيروس إلى الدماغ يبدأ
بمهاجمة مراكز التحكم في الأعصاب المسؤولة عن البلع والتنفس .. في
تلك اللحظة يحدث شيء غريب جدًا:
مجرد رؤية الماء أو
حتى سماع صوت سكبه قد يسبب للمريض تشنجات عنيفة في الحلق والصدر.
تخيل أن المريض يكون
عطشانًا بشدة .. لكنه حين يحاول شرب رشفة ماء .. تنقبض عضلات الحلق فجأة كأنها تغلق تمامًا .. يختنق .. ويسعل
.. ويشعر وكأن شيئًا يخنقه من الداخل.
بعد عدة محاولات مؤلمة
.. يبدأ الدماغ بربط الماء بذلك الألم الرهيب.
فيتكون خوف حقيقي منه.
ولهذا ترى المريض ..
يبتعد عن الكوب .. يصرخ عندما يقترب الماء منه .. أو يدخل في نوبة هلع بمجرد التفكير في الشرب. لكن الرعب لا
يتوقف هنا...
مع تقدم المرض تبدأ
أعراض أخرى مرعبة في الظهور:
حساسية شديدة جدًا
للضوء والصوت.
هياج وعدوانية غير
طبيعية.
محاولة العض أو الضرب.
سيلان لعاب مستمر بسبب
عدم القدرة على البلع.
نوبات هلع وارتباك
شديد.
والسبب أن الفيروس
يهاجم الجزء من الدماغ المسؤول عن السلوك والعدوانية.
ولهذا كان الناس في
العصور القديمة يعتقدون أن المصاب يتحول إلى وحش أو يفقد إنسانيته .. بينما الحقيقة أن دماغه ببساطة يتعرض
لهجوم مدمر من الفيروس.
والأمر المخيف في هذا
المرض أنه بعد ظهور الأعراض الواضحة .. فإن نسبة الوفاة تقترب من 100%.
أم الطفل الصغير رفضت
أن تنتظر تلك النهاية .. سمعت عن عالم في باريس يجري تجارب غريبة على مرض السعار .. رجل
اسمه Louis Pasteur.. حملت ابنها وسافرت إليه .. كمن يتعلق بآخر خيط أمل .. هكذا هي الأم.
لكن المشكلة كانت
كبيرة .. باستور لم يكن طبيبًا .. بل عالمًا يدرس الجراثيم. وما طوره لم يكن علاجًا مجربًا
على البشر بعد .. بل مجرد لقاح لا يزال في طور التجربة.
كان أمامه خياران
قاسيان:
إما أن يجرب علاجًا لم
يختبر بعد .. أو يترك الطفل لمصير يكاد يكون مؤكدًا.
بعد تردد طويل قرر
المحاولة .. بعد أن توسلت إليه الأم ألا يترك صغيرها يموت أمام عينها.
بدأ يعطي الطفل سلسلة
من الحقن التي تحتوي على فيروس ضعيف من المرض. كانت تجربة محفوفة بالمخاطر ..
والجميع يترقب ما سيحدث.
مرت الأيام ببطء شديد.
كل يوم يمر دون ظهور
الأعراض كان يبدو كأنه انتصار صغير .. ثم مرت أسابيع .. ولم يحدث شيء.
الطفل لم يمرض.
لقد نجا.
ذلك النجاح لم يكن
مجرد نجاة طفل واحد .. بل كان بداية عصر جديد في الطب .. فقد أثبتت التجربة أن الوقاية من
داء الكلب ممكنة .. وأن اللقاحات يمكن أن تنقذ البشر من أمراض كانت تبدو
حتمية.
أما الطفل الذي بدأت
بسببه هذه القصة فقد كبر وعاش حياة طويلة .. ومن غرابة القدر أنه عمل لاحقًا حارسًا في معهد
باستور نفسه .. كأنه ظل طوال حياته قريبًا من المكان الذي أنقذه من الموت.
لكن بعد أكثر من قرن ..
وفي زمن ظن فيه البشر أن الطب بات قادرًا على السيطرة على معظم الأمراض .. عاد المرض نفسه
ليظهر في قصة مختلفة تمامًا .. قصة أكثر غرابة ورعبًا.
لم تكن هناك عضة كلب
هذه المرة .. ولا هجوم حيوان هائج في الشارع.
بل كانت هناك هدية
إنسانية نبيلة.
تلقي الهدايا أمر جميل
.. ليس لأننا ننتظر ثمنها .. ولا لأننا نعشق الأشياء نفسها .. بل لأننا نعشق الشعور الذي تحمله في طياتها ..
الفرحة .. الاهتمام.. وفكرة أن شخصًا ما فكر فينا
وأراد التعبير عن محبته من خلال تقديم تلك الهدية.
الهدايا أحيانًا تعبر
عن الحب .. أحيانًا تمنح الأمل .. وأحيانًا تجعلنا نشعر أننا جزء من حياة شخص آخر .. إنها أكثر من أشياء
مادية .. إنها مشاعر تتجسد في لحظة واحدة...
القصة:
ولكن رغم جمال الهدايا
وسحرها، عليك أن تتوخى الحذر .. خاصة بعد سماع قصتنا، قبل أن تقبل أي هدية..
في عام 2004، كان
ويليام راندولف هوتون في العشرين من عمره .. شاب ضائع بين السجن والمخدرات .. يعيش مع والدته جودي في شقة
قديمة متهالكة، مليئة بالظلال الغامضة والهواء المثير للقلق .. لم
يكن ويليام شريرًا .. لكنه اتخذ قرارات سيئة .. كان يريد أن يتحسن .. لكن الحياة
لم تمنحه فرصة .. أيامه كانت تتقاطع بين الألم البدني والعاطفي .. السجن
.. المخدرات .. وفقدان الأمل المتكرر...
قبل وفاته بأيام قليلة
.. بدأ الصداع يطرق رأسه بعنف .. القيء أصبح لا يتوقف .. حرارة جسده ترتفع وتهبط بلا انتظام
.. أعصابه تتوتر بسرعة .. والهلع يسيطر عليه في كل لحظة...
الأطباء ظنوا أنها
جرعة زائدة أو نزيف في المخ .. وفي الثاني من مايو 2004، توفي ويليام .. تاركًا وصية لأمه
طلب فيها التبرع بأعضائه لإنقاذ حياة آخرين.
بالفعل تم نقل أعضائه
إلى خمسة أشخاص محتاجين: شيري .. جيمي .. مارك .. مارجريت .. جوشوا، وهذا أصغرهم
سنًا.
في البداية بدت
العمليات ناجحة .. ابتسامات حذرة .. شعور الحياة الجديدة يتدفق في أجسادهم .. كل
ابتسامة تحمل وعدًا بالحياة.
ما حدث بعد ذلك كان
مرعبًا:
بعد أسابيع قليلة ..
بدأت الأعراض الغريبة تظهر على المتلقين:
صداع قاتل يهاجم كل
لحظة هدوء.
القيء المستمر الذي لا
يرحم.
التهاب حاد في الحلق ..
حتى التفكير في شرب الماء مستحيل.
عصبية شديدة .. هياج
مفاجئ ومحاولات عض الآخرين.
حساسية مروعة للضوء
والصوت.
سيلان لعاب لا يتوقف.
المستشفى تحول إلى
كابوس حي .. أصوات أجهزة المراقبة تصم الآذان .. رائحة التعقيم تتداخل مع رائحة القيء .. الممرضون يحاولون
تهدئة المرضى الذين يصرخون في الظلام .. كل لحظة كانت مليئة
بالرعب النفسي والجسدي بلا هوادة.
واحدًا تلو الآخر ..
بدأ المتلقون في الموت:
شيري ماتت أولًا.
جيمي توفي بعد أيام.
رجل آخر حصل على
شرايين ويليام مات.
مارك الذي تلقى الرئة
لم ينجُ.
مارجريت التي حصلت على
البنكرياس ماتت.
جوشوا صمد أطول لأنه
كان أصغر وأقوى .. لكنه لم يستطع المقاومة طويلًا وتوفي في 21 يونيو 2004.
كشف الحقيقة:
بعد موت جوشوا .. بدأ
الأطباء تحقيقًا دقيقًا لمعرفة السبب الحقيقي لما حدث.
تم فحص الأعضاء
المزروعة والأنسجة المحفوظة من المتبرع .. وهنا ظهرت الحقيقة المرعبة.
الاختبارات كشفت أن
ويليام كان مصابًا بفيروس داء الكلب قبل وفاته.
بعد مراجعة حياة
ويليام .. تذكرت والدته حادثة صغيرة بدت في وقتها غير مهمة .. قبل أسابيع من وفاته كان يعيش في شقة قديمة
مليئة بالخفافيش التي تختبئ في السقف.
وفي إحدى الليالي شعر
بوخزة أو عضة صغيرة في يده أثناء محاولته إبعاد أحدها...
جرح بسيط جدًا .. لم
ينزف كثيرًا .. ولم يهتم به أحد .. لكن تلك العضة الصغيرة كانت كافية لانتقال
الفيروس إلى جسده.
فالفيروس لا ينتقل فقط
عن طريق الكلاب كما يعتقد كثير من الناس .. بل يمكن أن ينتقل أيضًا عن طريق عدة
حيوانات مثل:
الكلاب .. القطط ..
الثعالب .. الراكون .. الخفافيش .. الظربان .. القندس.
ظل الفيروس صامتًا
داخل أعصابه ثم بدأ يهاجم الدماغ تدريجيًا .. وهو ما سبب الصداع الشديد والقيء
والارتباك قبل وفاته.
وعندما تم نقل أعضائه
بعد موته .. كان الفيروس موجودًا داخل أنسجته بالفعل...
ومع كل عملية زرع ..
انتقل الفيروس إلى جسد المتلقي الجديد.
وهكذا أصيب المتلقون
الخمسة جميعًا بنفس المرض...
ليس بسبب خطأ في
الجراحة .. بل بسبب فيروس كان مختبئًا داخل الأعضاء منذ البداية! لتتحول هدية
الحياة إلى مأساة أصابت خمسة أشخاص.
الخاتمة
قبل أكثر من قرن كانت
أم طفل صغير سببًا في إنقاذ البشر من داء الكلب.. هذه الأم لم تمنح فقط صغيرها
الحياة، بل منحت البشرية أملًا وفرصة جديدة دون أن تدري .. تلك الأم علمتنا أن الحب والإصرار يمكن
أن يتغلبا على اليأس.. وأن الصبر والمثابرة في وجه
الخطر قد تنقذ أرواحًا لا تحصى...
نعم، ويليام مات ..
لكن أثره ظل حيًا في حياة من أحبوه ومن حاولوا إنقاذ الآخرين باسمه .. هدية الحياة التي أرادها تحولت إلى
مأساة .. تاركة وراءها دموع والدته التي لم تهدأ .. وقلوب المتلقين
الذين لم تكتب لهم الحياة...
لكن وسط هذه المأساة ..
نتذكر أن الإنسان قادر على التعلم من الألم .. على الحذر .. وعلى حماية الآخرين بما تعلمه من تجاربه .. وأن
النوايا الطيبة وحدها لا تكفي .. لكن القلب الذي يريد الخير ..
والعقل الذي يبحث عن المعرفة .. يمكن أن يحمي الأرواح ويمنع المآسي القادمة...
وفي لحظة واحدة .. عضة
صغيرة من خفاش أو أي حيوان مصاب .. يمكن أن تحول أملك إلى رعبك الأبدي.
تحرير، تدقيق ومراجعة : أزيز الصمت.
https://kabbos.com/%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%af%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%85%d9%8a%d8%aa%d8%a9/





ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق