محمد القاضي:
رغم كل الغارات الجوية وموجات الصواريخ المتبادلة، والتصعيد غير المسبوق بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، فإن الحقيقة التي يتجاهلها كثيرون هي أن الحرب الحقيقية لم تبدأ بعد.
ما نشهده اليوم ليس سوى فصل تمهيدي لصراع أكبر قد يعيد رسم ملامح الشرق الأوسط وربما يترك أثره على العالم بأسره.
كانت الحسابات في واشنطن وتل أبيب تقوم على أن التفوق العسكري الأمريكي والإسرائيلي كفيل بفرض واقع سريع على الأرض، لكن الردود الصاروخية الإيرانية كشفت أن المواجهة لن تكون سهلة ولا قصيرة.
إسرائيل، التي راهنت على إسقاط النظام الإيراني، وتباهت بالقبة الحديدية وهيمنتها العسكرية في المنطقة، واعتقدت أنها قادرة على إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، وجدت نفسها أمام واقع مختلف؛ صواريخ انشطارية ضربت العمق الاسرائيلي، ومنظومات بالستيه تم اختبارها بشكل غير مسبوق، لتصبح إسرائيل كومًا من الرماد.
واجلت القوات الأمريكية من جميع القواعد في المنطقة بعد أن جعلتها اهداف في مرمى نيرانها
الولايات المتحدة، التي دخلت المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني تحت شعار الدبلوماسية، لم تكن تسعى حقًا إلى اتفاق، بل كانت تبحث عن ذريعة سياسية وعسكرية لتصعيد المواجهة.
لكن النتيجة جاءت عكس التوقعات؛ إيران التي تعاني حصارًا منذ عقود، وقفت بمفردها في مواجهة أقوى قوة عسكرية في العالم بمشاركة إسرائيل، ومع ذلك تمكنت من إرباك الحسابات وفرض معادلة جديدة على أرض الواقع.
اليوم، من المؤكد أن إيران هي من ستفرض الشروط على الولايات المتحدة واسرائيل وقد تكون شروط قاسية التاريخ سيشهد أن هذه القوة الصاروخية والسياسية هي التي تتحكم بمسار الصراع وتحدد قواعد اللعبة.
القدرة الصاروخية الإيرانية، واتساع رقعة الاشتباك، والتوتر المتزايد في الممرات البحرية الحيوية مثل مضيق هرمز، كلها مؤشرات على أن المنطقة تقف على حافة صراع أوسع بكثير مما نراه الآن.
المؤلف الأمريكي ستيف سيبولد أشار إلى أن الحديث عن نهاية سريعة للحروب ليس جديدًا في التاريخ الأمريكي؛ فقد قيل الشيء نفسه عن فيتنام وأفغانستان، قبل أن تتحول تلك الحروب إلى نزاعات طويلة ومكلفة.
والمفارقة أن ما كان يُراد له أن يضعف إيران قد أدى إلى نتيجة عكسية؛ فالضغط الخارجي الذي كان يُراد منه تفكيك الداخل الإيراني ساهم في توحيد المجتمع حول الدفاع عن بلاده.
وفي الداخل الأمريكي نفسه تتصاعد الانتقادات، إذ يرى بعض أعضاء الكونغرس أن المواطنين يدفعون ثمن مغامرات عسكرية خارجية، في وقت ترتفع فيه أسعار الطاقة وتكاليف المعيشة.
كما حذّر المفكر الاقتصادي جيفري ساكس من أن اتساع هذه الحرب قد يتحول إلى كارثة عالمية، فالشرق الأوسط ليس مجرد ساحة قتال، بل عقدة أساسية في أمن الطاقة العالمي والاقتصاد الدولي.
لهذا، ورغم الضجيج العسكري الذي يملأ العناوين، ورغم الصواريخ والغارات والتهديدات المتبادلة، فإن ما نراه اليوم قد لا يكون سوى مقدمة.
فالحروب الكبرى لا تبدأ بضربة واحدة…
بل بسلسلة من الخطوات المتراكمة التي لا يدرك العالم خطورتها إلا حين تمتلئ السماء بالدخان.
https://vt.tiktok.com/ZSuyPjKRw/

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق