الثلاثاء ١٧-٣-٢٠٢٦
لمدة ٤٠ عاماً وإيران تضع خطتها لمواجهة أقوى بلد في العالم ، لأنها منذ ٤٠
عامآً وأمريكا تنشر دراساتها عن كيفية القضاء على إيران.
وهذا هو الفارق بين
البلدين.
واحدة تتعامل من منطلق الموارد المحدودة والقهر طويل الأمد
ولكن الدفاع عن النفس ومحاولة البقاء لحضارة عريقة ، والثانية
تتعامل من منطلق الإستحقاق المبني على القوة العسكرية والإقتصادية المغلفة
بالعجرفة وطول مدة الهيمنة والسيطرة العالمية.
في خلال أسبوعين من
الحرب الأمريكية الإيرانية بدأت تظهر معالم الخطة الإيرانية وبدأت تظهر آثارها
المدمرة على أمريكا.
وصلت إيران لنتيجة حتمية أنها ليست في نفس مستوى أمريكا من
موارد وقوة عسكرية وإقتصادية.
ولكنها درست أسلوب
أمريكا في التعامل عبر ال٤٠ عام الماضية في إخضاع دول العالم لإرادتها وهزيمتها
وتدميرها.
وفي كل مرة إستخدمت
نفس الأسلوب.
القوة العنيفة الباطشة
التي تهدم ليس فقط الجيش للدولة المستهدفة بل والقيادة بأكملها وذلك لهدم الروح
المعنوية للشعب وبدء تفتيت أراضيه ونهب ثرواته.
والنتيجة واضحة في كل
من العراق وليبيا وأفغانستان والصومال وما يزال يحدث في السودان.
ولذا فكان على إيران
أن تجد أسلوب جديد مبتكر لمواجهة هذا المارد الشرير بطريقة ذكية لا
يدركها تحميها من الإنهيار في الساعات الأولى حتى تتمكن من البدء في تطبيق
خطتها.
وبدأت بالتفكير في عدم مقابلة القوة العسكرية بقوة عسكرية مضادة بنفس المعايير.
وكان الحل هو عدم التكافؤ.
فلن تتمكن إيران من
بناء قوة عسكرية تقابل وتتفوق على القوة العسكرية الأمريكية ، ولكنها يمكنها بناء
قوة أصغر وأسرع وأرخص ، لا تقضي عليها بالضربة القاضية ولكن بالف لدغة صغيرة
من كل جهة للمارد الذي ينشغل في محاولة "هش" هذه الحشرات
المزعجة كي يتفرغ للهجوم بقوته الضارية.
وهذا تماماً معنى الحرب الغير متكافئة.
الخطة لم تقتصر على
الأسلحة فقط بل كانت خطة محكمة في كل أركانها ، فأخذت في
الإعتبار الخسائر التي ستتعرض لها إيران وكيفية مواجهتها وتخطيها ، والمعرفة
الواضحة للهدف الحقيقي المرجو من هذه الخطة وهو ليس فقط البقاء بل هو
أيضاً هزيمة العدو.
فكان على إيران أن تحدد بشكل دقيق معنى الهزيمة بالنسبة لأمريكا وكيفية
الوصول لها بشكل لا يمكن الشك فيه.
أربعين عاماً أمضتها
في خطتها ، قامت فيها بتعليم شعبها على أعلى مستوى لأن الشعب المتعلم هو من
يساعد نفسه بنفسه.
ووصلت لأعلى درجات التعليم حتى لعلماء الذرة الإيرانيين الذين مجرد
وجودهم كان تهديد قوي لدولة مثل إسرائيل.
لم يعرف العالم بالخطة
الإيرانية إلا عندما بدأت تتكشف بشكل مرحلي منذ بداية الحرب في ٢٨
ديسمبر ٢٠٢٥ ، بالضربة الإفتتاحية المباغتة ، بمساعدة دولة الإمارات ، بضرب
الليرة الإيرانية في مقتل وتفعيل الخلايا النائمة من الموساد داخل إيران
لتأجيج الشعب للإنقلاب على حكومته كي تبدأ الحكومة في قمع المتظاهرين سعياً
للسيطرة الأمنية ، فتبدأ القوات المسلحة المدسوسة بين المتظاهرين في القتل
البشع لكل من الشعب الإيراني والشرطة الإيرانية وتبدأ الحملة الإعلامية
الغربية ضد "الحكومة الإيرانية الوحشية التي تقتل أبنائها" وترامب
يقول أن على أمريكا أن ، تتدخل لإنقاذ الشعب الإيراني من حكومته المتوحشة.
ولكن إيران فهمت
اللعبة.
ووعى الشعب المتعلم للمخطط ، وتم إحباط محاولة الإنقلاب الداخلي وتم
فض المظاهرات والقبض على العناصر الأجنبية المؤججة
للموقف.
وفشلت المحاولة الأولى.
فكانت المحاولة الثانية وهي الهجوم العسكري المسلح المباغت على
القيادة بأكملها وقطع رقبة الحكم في إيران وقتل المرشد
الأعلى وأغلب القيادات معه.
ونجحت هذه المحاولة.
وظن العالم أن هذه
بداية نهاية إيران.
لكنها وضحت فيما بعد أنها بداية الخطة المضادة التي وضعتها إيران لمواجهة
أمريكا وإسرائيل.
برد إيران الضربة الأولى في خلال ساعة من وقوعها ، أرسلت رسالة
صادمة لأمريكا وإسرائيل بأن هذه المرة هناك إختلاف.
فبالرغم من قطع رأس
النظام إلا أنه هناك من يتولى مكانه ليكمل الطريق.
وظهرت خطة "الأربع
طبقات" من تسلسل القيادة التي كان علي خامنئي قد وضعها قبل
بدء الحرب. ففشلت الضربة الثانية الأمريكية في إسقاط النظام الإيراني.
ثم بدأت تدريجياً تظهر
معالم الخطة الإيرانية الموضوعة.
وكانت متسقة تماماً مع
ما كانت تفعله عبر ال٤٠ عاماً الماضية.
فكان هدف إيران المعلن
خلال كل هذه السنوات هو إخراج أمريكا من الإقليم.
فبدأت بتشجيع الجماعات
الموجودة في بلاد الشام التي تريد التخلص من الهيمنة الأمريكية على بلادهم ،
بتدريبهم على المقاومة المسلحة وتوريد السلاح لهم.
حتى تكونت جماعات
فعالة في كل من العراق ولبنان وفلسطين.
وكانت جماعات العراق
ولبنان من الشيعة ولكن فلسطين من السنة التابعة أيديولوجياً لجماعة الإخوان
المسلمين (والتي إنفصلت عنهم في أواخر ٢٠١٧ وإتخذت المسجد الأقصى شعارها).
وبدأت إيران تسلح
وتدرب هذه الجماعات لإخراج أمريكا من الإقليم.
فزاد عدأ إسرائيل لها
لأن إسرائيل هي التي كانت تخطط للهيمنة على الإقليم ، لكن إيران كانت
دائماً العقبة الكبرى ، ولذا كان نتنياهو دائماً يحث أمريكا على ضرب
إيران بحجة أنها قاربت إقتناء القنبلة النووية.
عندما وضح أن الحرب
ستندلع ، حتى بالرغم من وجود مفاوضات مع أمريكا ، بدأت إيران في تنفيذ
خطتها وأعلنت أنها لو تم الهجوم عليها من أي من إسرائيل أو أمريكا ، منفردين
أو مجتمعين ، فسترد عليهما معاً وعبر البلاد التي بها قواعد أمريكية لو
إستخدمت هذه القواعد في الهجوم.
صرحت كل البلاد
العربية أنها طلبت من أمريكا عدم إستخدام قواعدها في الهجوم ، وطبعاً تجاهلت أمريكا
ذلك تماماً وخرجت الهجمة الأولى على إيران من القواعد الأمريكية الموجودة في
الدول العربية في الخليج.
ووفاءً لكلمتها ، ردت
إيران بقصف ليس فقط إسرائيل ولكن القواعد الأمريكية في كل من البحرين وقطر والسعودية والكويت والإمارات ،
وحتى الأردن والعراق.
ووصلت حتى إلى قبرص.
وكانت الصدمة للغرب.
ثم بدأت خطة إيران
تتكشف.
أولاً الإغراق: الهجوم بكميات لا حصر لها من الدرونات
والصواريخ القديمة البطيئة التي كان هدفها مزدوج.
أولاً الكشف عن
رادارات الإستطلاع الأمريكية الدفاعية في كل الخليج.
وثانياً قياس مدى قدرة
الدفاعات على مقابلة هذه الهجمات وما أعداد الصواريخ المضادة
المستخدمة.
وفي نفس الوقت كانت
هناك هجمات قوية على إيران أصابتها في أماكن
كثيرة ، وكان عدد القتلى من الإيرانيين المدنيين يتزايد كل يوم.
أول كشف عن الخطة
الإيرانية جأ عندما في عدة ضربات متفرقة وعلى مدار عدة
أيام من هذا الإغراق بالدرونات والصواريخ ، بدأ يظهر نمط غريب وهو تدمير ممنهج
لأقوى الرادارات الأمريكية في الإقليم.
فكانت هناك ثلاث
رادارات تكلفة الواحد منها مليار دولار ، ورادارين تكلفة الواحد نصف مليار دولار ، في
عدة بلاد في الشرق الأوسط موجهة لإيران لرصد أي هجوم إيراني من أي جهة
من إيران.
وفي خلال الأسبوع الأول من الحرب ، كانت كل هذه الرادارات قد دمرت.
وكانت في البحرين وقطر والسعودية والأردن وإسرائيل.
والطريقة التي دمرت
بها إيران هذه الرادارات كانت بصواريخ باليستية داخل زحام الدرونات
والصواريخ القديمة التي تشغل الدفاعات عن الصواريخ الباليستية التي
تستهدف الرادارات.
وهنا ظهرت خطة إيران في التمويه للوصول للهدف الحقيقي.
ثم بدأ الإنتباه لما
تقوم به إيران بشكل أكبر.
فبدأ الهجوم على سلاح
الطيران الأمريكي.
وكانت الواقعة الأولى عند إسقاط ٣ طائرات أمريكية فوق الأجواء الكويتية
بالمدفعية المضادة للطائرات من نظام باتريوت الأمريكية! قفز
أطقم الطيارين من الطائرات ولكن الطائرات نفسها دمرت تماماً.
والتصريح الرسمي حتى
الآن أن مازال البحث جاري في هذه الواقعة.
وبعد ذلك بيومين تم
قصف طائرة تانكر لتزويد الوقود وهي فوق العراق وإنفجرت وفقد كل طاقمها المكون
من ٦ أفراد.
والتانكر الثانية التي كانت مرافقة لها راوغت وتمكنت من الإفلات ولكن ذيل
الطائرة أصيب.
وبعد ذلك بيوم واحد تم قصف طائرات من هذا الطراز في قاعدة
الأمير سلطان في السعودية مما تسبب في أضرار لخمسة منهم جاري
إصلاحهم ولكن كان لابد من سحب كل هذه الطائرات من هذا المطار وإعادة
توزيعهم على عدة مطارات في عدة بلاد.
وهذا وحده تسبب في
تعطيل قوي للقوة الضاربة للطيران الأمريكي لأن كل الترتيبات من أماكن الإقلاع الجديدة وأماكن
التقاء الطائرات للتزود بالوقود لابد من إعادتها وترتيبها والتدريب عليها
لأنها كلها جديدة بعد تغيير أماكن حفظ هذه الطائرات.
وهذه لها تكلفة في
الوقت وفي المال.
زائد القلق من وجود ثغرات أمنية ، خصوصاً في الأجواء العراقية حيث تم
إسقاط التانكر.
ومن هنا بدأت الخطة الإيرانية تأخذ أبعاداً لم يراها العامة
، إذ أن أحد أهم الحرب الغير متكافئة تبدو أنها تستهدف
الإستنزاف المالي والمد في وقت الحرب زائد تقليل كفاءة الأداء.
ووضحت أكثر عند
إستهداف إيران للطائرات الأمريكية E-6 التي تعتبر (مايسترو) قيادة الطائرات
المقاتلة والتي ترشدها في كل خطوة وبدونها يصبح الطيارين
الأمريكيين معرضين لمخاطر كبيرة جداً.
(١)
https://youtu.be/fXqmMM8JzhQ?si=kmKMxv74kh2Cq-bV
ولذا يبدو أن خطة إيران لم تقتصر فقط على إرباك الآلة الحربية
الأمريكية العملاقة بغمرها بالدرونات الرخيصة ولكن
أيضا بهدم البنية التحتية التي تعتمد عليها في تنفيذ مهامها ، وفي نفس
الوقت إستنزاف مواردها وتعطيل تنفيذها للمهمة.
لأنه من أهم أهداف
الخطة الأمريكية كان الضربة القاسمة الأولى والإنتصار السريع وإنهاء الحرب وفق
شروطها.
ولكن خطة إيران هي
تخطي الضربة الأولى وبدء إستنزاف موارد العدو ،
والمد في مدة الحرب لكشفه أمام باقي العالم.
وهذا ما تقوم به إيران
حالياً.
فهي تكشف للجميع أن
أمريكا غير قادرة على هزيمة إيران لأنها مازالت
صامدة وتحاربها في أهم ما لديها وهو نفوذها العالمي.
وذلك بكشف خواء كل ما
يتشدق به ترامب من "إنتصارات" ووعود بسحق وتدمير العدو ، وفي واقع الأمر
تُضرَب أمريكا في أموال مؤسساتها العالمية في الإمارات ، وفي نفوذها في
الخليج وآسيا بعدم قدرتها على حمايتهم ، وفي مكانتها العالمية بعدم قدرتها
على فتح مضيق هرمز لنفسها وللغرب بينما التجارة رائجة للشرق ولأصدقاء
إيران عبره.
حتى أن ترامب يحاول إستفزاز الناتو للتدخل في فتح المضيق ولكن بدأت بعض البلاد
الأوروبية مثل أسبانيا وإيطاليا تعي مدى ضعف أمريكا وعدم
إلتزامها بأي من وعودها بالحماية لحلفائها لعدم قدرتها على ذلك.
وبدأت الأسعار ترتفع
في الغرب من جراء قطع البترول والغاز الخليجي عنها وبدأت
الأسعار ترتفع في أمريكا وهذا مؤشر خطير جداً بالنسبة لوضع ترامب السياسي في
الداخل.
فبدأ يقول أن إيران
الآن ترسل له محاولات للتقارب لوقف إطلاق النار ،
لكن إيران وعت للعبة الأمريكية الخطيرة عبر الإعلام ، وبدأت تستخدم الإعلام
الغربي لمحاربته.
ويقوم بذلك وزير خارجية إيران بتكذيب أي محاولات من ترامب الإيهام
بأن إيران تسعى لوقف إطلاق النار وأن الحقيقة أن أمريكا هي التي
تسعى لذلك ولكن إيران لن تقبل إلا عندما يكون هناك رادع ثابت للنوايا
الأمريكية ، كما نرى في الرابط التالي.
(٢)
https://x.com/iranobserver0/status/2033610392715317353?s=12
هذا الوضع بدأ يقلق أمريكا بشكل كبير لأنها بدأت تفقد
أصدقائها خصوصاً في الشرق الأقصى مثل كوريا الجنوبية واليابان.
وهم من تعتمد عليهم في
حربها القادمة مع الصين بحجة تايوان.
حرب إيران قد تدخل
التاريخ على أنها الحرب التي بدأت التحول العالمي من أحادي
القطب إلى تعدد الأقطاب ، والتحول النقدي من الدولار الأمريكي إلى العملات
المساندة من الذهب ، وسقوط الإمبراطورية الأمريكية وبداية عصر إزدهار
الشرق.
التخوف الأكبر اليوم
هو من رد فعل كل من إسرائيل وأمريكا لهذه الهزيمة المنكرة والتهور في إستخدام
السلاح النووي.
حفظ الله العالم من الأشرار ومن ويلات الحروب
روابط المقال
(١)
https://youtu.be/fXqmMM8JzhQ?si=kmKMxv74kh2Cq-bV
(٢)
https://x.com/iranobserver0/status/2033610392715317353?s=12
https://aidaawad.wordpress.com/


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق