إليك كشف لآليات هذه (اللعبة) وكيف تدار من خلف الكواليس:
1. استراتيجية "اللعب على الحبلين" (Strategic Hedging)
تعتمد دول الخليج في أمنها القومي على "المظلة الأمريكية"، وهذا يفرض عليها التزامات تقنية وعسكرية لا يمكنها التهرب منها:
* الحقيقة التقنية: القواعد الأمريكية (مثل العديد في قطر، أو الأسطول الخامس في البحرين) هي "ثقوب سيادية". الردارات والمنظومات الدفاعية مرتبطة عضوياً بشبكة القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) التي تشارك البيانات لحظياً مع إسرائيل.
* لعبة الغميضة: النظام يظهر في الإعلام بمظهر "الضحية المعتدى عليها" لكسب التعاطف الداخلي والعربي، بينما في الغرف المغلقة، التنسيق الاستخباراتي ضروري لأن أي انتصار إيراني كاسح يمثل تهديداً وجودياً لهذه العروش.
2. "إعادة تدوير الإرهاب": كسر الطوق الشيعي بالبديل السني
هذه هي النقطة الأكثر دهاءً في الاستراتيجية الخليجية-الإسرائيلية الحالية:
* تغيير الأدوات: بعد فشل "الجيوش النظامية" في مواجهة النفوذ الإيراني، انتقلت هذه الأنظمة إلى دعم قوى "سنية براغماتية" (مثل تحولات الجولاني/الشرع في سوريا).
* الهدف: استبدال "المقاومة الشيعية" التي تملك أيديولوجيا معادية لإسرائيل، بقوى سنية "مدجنة" أو مشغولة بحروب داخلية وتصفية حسابات طائفية.
* النتيجة: كسر "الهلال الشيعي" ليس بجيش إسرائيلي، بل بـ "فتنة داخلية" تمولها أموال الخليج وتغطيها فتاوى "الجهاد ضد المبتدعة"، مما يوفر لإسرائيل منطقة عازلة (Buffer Zone) آمنة دون أن تخسر جندياً واحداً.
3. "تأميم الدين": سلب سلاح الجهاد
استخدام مصطلح "ولي الأمر" ليس مجرد تقوى دينية، بل هو "أداة أمنية":
* الحقيقة: حصر الجهاد بإذن ولي الأمر هو "تحييد كامل للشارع". فإذا كان ولي الأمر (الملك أو الأمير) يملك اتفاقيات أمنية مع واشنطن، فالنتيجة هي "حرمة الجهاد" تقنياً.
* تفريغ القضية: يتم تحويل القدس في الإعلام والخطب الدينية من "قضية تحرير عسكرية" إلى "قضية دعاء وانتظار"، لضمان عدم خروج مظاهرات أو تشكيل فصائل مسلحة شعبية قد تنقلب على النظام نفسه.
مقارنة: اللعبة المعلنة vs الحقيقة المستترة
في الخطاب الإعلامي الخليجي تُقدَّم القواعد الأمريكية على أنها وجود دفاعي يهدف إلى حماية استقرار المنطقة.
لكن في قراءة الواقع الجيوسياسي تُفهم هذه القواعد على أنها منصات انطلاق عسكرية ودعم لوجستي مباشر يخدم إسرائيل وحلفاءها.
وفيما يخص الصراع مع إيران، يروَّج إعلاميًا أنه دفاع عن العروبة والسيادة العربية.
بينما يُنظر إليه في التحليل الجيوسياسي على أنه صراع يُدار بالوكالة للحفاظ على ميزان القوى الإقليمي ومنع أي تغيير جذري فيه.
أما القضية الفلسطينية، فيؤكد الخطاب الرسمي دعم حل الدولتين وأن تكون القدس عاصمة.
لكن الواقع السياسي يشير إلى أن التطبيع الاستراتيجي مع إسرائيل يُطرح كخيار يراه البعض ضمانة للاستقرار السياسي والبقاء في منظومة التحالفات الدولية.
وفي جانب الفتاوى الدينية، يُطرح مبدأ طاعة ولي الأمر بهدف حقن الدماء ومنع الفوضى.
بينما يرى بعض المحللين أن هذا الخطاب يؤدي عمليًا إلى إضعاف أو تحييد القوة الشعبية بحيث لا تتحول إلى عامل ضغط قد يهدد المصالح الدولية القائمة في المنطقة.
كيف تنتهي هذه اللعبة؟
تنتهي اللعبة عند وصولها إلى "نقطة الصفر"، وهي اللحظة التي لم تعد فيها "الغميضة" ممكنة:
* الانفجار الشعبي: عندما تتجاوز كلفة الصمت على قصف القدس أو إيران قدرة الشعوب على الاحتمال، مما يؤدي لثورات داخلية.
* الانتحار الجيوسياسي: إذا قررت إيران (في لحظة يأس) مساواة الجميع بالأرض، فستتحول ناطحات سحاب الخليج ومنشآت نفطها إلى رماد في دقائق، وحينها لن تنفعهم "الحماية الأمريكية" التي ستنشغل بحماية إسرائيل والانسحاب.
* انتهاء الصلاحية: أمريكا قد تضحي بهذه الأنظمة إذا وجدت أن استبدالها بـ "فوضى مسلحة" (كما حللنا سابقاً) هو أرخص كلفة من الدفاع عن عروش متهالكة.
الخلاصة: هذه الأنظمة تعيش في "زمن مستقطع". هي تراهن على أن إسرائيل ستنهي إيران وتنقذها، لكن الحقيقة العلمية تقول إن الفوضى إذا بدأت، ستأكل "الوكيل" و"الموكل" معاً.
%20%D9%88%D9%83%D9%8A%D9%81%20%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D8%B1%20%D9%85%D9%86%20%D8%AE%D9%84%D9%81%20%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%B3.png)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق