سفّاح التاكسي - الجريمة التي جعلت بيروت تخاف من الليل
في بيروت، المدينة
التي اعتادت الضجيج والسهر والأنوار التي لا تنطفئ، كان صباح الخامس عشر من يناير عام
2011 مختلفًا على نحوٍ مريب.
الساعة كانت تشير إلى السابعة والنصف صباحًا عندما لاحظ أحد
المارة سيارة تاكسي صفراء تقف بصمت على جانب الطريق في
الأشرفية، قرب شارع جبران خليل جبران. لم يكن في الأمر ما يلفت الانتباه في
البداية، فسيارات التاكسي جزء من روح المدينة، تقف هنا وهناك، تنتظر
زبونًا أو تستريح بعد ليلة عمل طويلة. لكن شيئًا ما كان خاطئًا. السيارة
كانت متوقفة بطريقة غريبة، كأنها تُركت على عجل. المحرك مطفأ، والباب الأمامي
نصف مغلق. اقترب الرجل بحذر، ثم لمح جسد السائق مائلاً على المقعد
الأمامي. للحظة ظن أنه نائم، لكن الصمت داخل السيارة كان ثقيلاً، ثقيلاً بشكل
غير طبيعي. عندما
وصلت الشرطة بعد دقائق، كان المشهد واضحًا
ومخيفًا في آن واحد. سائق التاكسي، مروان علي حسن، شاب يبلغ من العمر 28 عامًا،
كان جالسًا خلف المقود، رأسه مائل قليلاً، وعيناه نصف مفتوحتين كأنهما ما
زالتا تحاولان فهم ما حدث. رصاصة
واحدة فقط دخلت خلف الأذن. طلقة دقيقة، باردة، وقاتلة. لم يكن هناك صراع، ولم تكن
هناك فوضى، وكأن الموت جلس في المقعد الخلفي وانتظر اللحظة المناسبة.
بداية اللغز
مروان لم يكن مجرد رقم
في سجل الجرائم. كان شابًا بسيطًا من حي الرملة البيضاء، يعمل ليلًا ونهارًا ليعيل عائلته.
يعرفه زبائنه بابتسامته الهادئة وصبره الطويل في زحمة بيروت التي لا ترحم.
في الليلة السابقة للجريمة، تلقى مروان اتصالًا من رقم غير معروف طلب
منه شخص أن يأتي إلى الأشرفية.
كان ذلك أمرًا عاديًا لسائق تاكسي؛ مكالمة، زبون ينتظر، طريق
قصير، وأجرة في نهاية الرحلة. ركب الزبون،
تحركت السيارة، ثم اختفى مروان. ذلك الاتصال كان آخر أثر له في هذا العالم. بدأت
الشرطة تفحص الهاتف، وتبحث في كاميرات المراقبة، وتستجوب السائقين الذين
يعرفونه. لكن بيروت مدينة كبيرة، ومئات السيارات تمر كل ساعة في تلك الشوارع،
لذلك بدا الأمر وكأنه جريمة عابرة قد تضيع في زحام المدينة. لكن بعد أيام
قليلة، اكتشفت الشرطة شيئًا جعل الدم يتجمد في عروق المحققين.
الجريمة الثانية
في صباح بارد آخر،
وُجدت سيارة تاكسي ثانية. المشهد كان مطابقًا تقريبًا: سائق مقتول، رصاصة خلف الأذن،
سيارة متروكة في شارع جانبي. لم يعد الأمر مصادفة، ولم يعد حادثًا فرديًا. كان
هناك قاتل يتجول في المدينة، ويصطاد سائقي التاكسي.
مدينة خائفة
خلال أسابيع قليلة،
بدأت الجثث تظهر واحدة تلو الأخرى. كل الضحايا كانوا سائقين، وكلهم قُتلوا بالطريقة نفسها: رصاصة واحدة خلف
الأذن. الأمر أشبه بتوقيع قاتل يترك علامته في كل مسرح جريمة.
انتشر الخوف بسرعة في بيروت.
السائقون بدأوا يرفضون طلبات الليل، والبعض صار يطلب رؤية الزبون
قبل أن يفتح الباب. أما الركاب، فصاروا ينظرون إلى
المقعد الخلفي وكأن الظلام قد يخفي فيه شيئًا مرعبًا. كانت المدينة
التي لا تنام قد بدأت تخاف من الليل.
القاتل الذي لا يترك أثراً
التحقيق كان صعبًا
بشكل مخيف. القاتل لم يترك بصمات واضحة، ولم يكن هناك شهود، وحتى كاميرات المراقبة لم تلتقط
شيئًا حاسمًا. كل ما عرفه المحققون أن الضحايا كانوا يتلقون اتصالًا
قبل اختفائهم، ثم يركب القاتل، ثم يطلق الرصاصة، ثم يختفي. الطريقة كانت
باردة ومنظمة، كأنها عملية مدروسة بعناية. بعض المحققين بدأوا يخشون احتمالًا
مرعبًا: ربما يكون القاتل محترفًا.
الخطأ الصغير الذي كشف كل شيء
لكن حتى أكثر المجرمين
حذرًا يتركون خطأً ما خلفهم. وفي إحدى الجرائم حدث ذلك الخطأ. عُثر على هاتف محمول مسروق
كان يعود لأحد الضحايا. الهاتف لم يبقَ طويلًا مع القاتل، فقد تم بيعه
بسرعة، ثم بيع مرة أخرى، ثم انتقل بين عدة أشخاص. لكن التكنولوجيا كانت صبورة،
وبدأت الشرطة تتبع مسار الهاتف خطوة خطوة، شخصًا بعد شخص، حتى وصلوا إلى حي
فقير في بيروت، إلى منزل صغير يسكنه شقيقان.
النهاية التي صدمت الجميع
عندما داهمت الشرطة
المنزل، لم يجدوا مجرمًا محترفًا ولا عصابة منظمة، بل شابين يبدوان عاديين تمامًا: ميشال سعد وجورج سعد. في
البداية أنكرا كل شيء، لكن الأدلة كانت تتراكم أمامهما؛
الهاتف، الأغراض المسروقة، وآثار الرصاص. وبعد ساعات طويلة من التحقيق انهار
أحدهما واعترف، ثم اعترف الآخر.
السبب لم يكن انتقامًا، ولم يكن دفاعًا عن النفس، بل مزيجًا
مظلمًا من الطمع، واضطرابات نفسية، ورغبة مرضية في القتل. ما اكتشفه
المحققون داخل عقل القاتلين
بعد اعتقال الشقيقين لم يكن الأمر مجرد اعتراف سريع. التحقيق
استمر لساعات طويلة ثم أيام. المحققون لاحظوا شيئًا
غريبًا منذ البداية؛ لم يكن هناك ارتباك حقيقي، ولا ندم. كانا يتحدثان عن الجرائم
بطريقة باردة للغاية، كأنهما يصفان حادثًا عاديًا في الشارع. أحد
الضباط قال لاحقًا إن أكثر ما أرعبه لم يكن الجرائم نفسها، بل الهدوء
المخيف في صوت القاتل عندما شرح كيف يطلق الرصاصة. الميكانيكية
كانت ثابتة: الضحية يقود السيارة، القاتل يجلس خلفه، ثم يقترب قليلًا، رصاصة واحدة
خلف الرأس. لا صراخ، لا صراع، والموت يحدث في ثانية واحدة. هذه الطريقة لم
تكن عشوائية بل مدروسة، فقد كشف التحقيق أن أحد الشقيقين كان يصر دائمًا على إطلاق
النار من الخلف مباشرة خلف الأذن لأن ذلك يضمن الموت الفوري
ويمنع الضحية من المقاومة. بعبارة
أخرى، كانوا يقتلون بطريقة تشبه الإعدام.
أول جريمة … لم تكن تاكسي
المحققون اكتشفوا
لاحقًا أن أول جريمة لم تكن ضد سائق تاكسي أصلاً. قبل سلسلة الجرائم قام الشقيقان بقتل امرأة مسنّة كانت جارة
لهما، أطلقا عليها النار في رأسها وسرقاها. كانت تلك الجريمة
بالنسبة لهما تجربة واختبارًا.
بعدها أدركا شيئًا مرعبًا: القتل كان سهلاً. ومن تلك اللحظة بدأ
شيء مظلم يتشكل في عقليهما.
الصيد الليلي
التحقيقات أظهرت أن
الجرائم لم تكن تحدث في أي وقت، بل كانا يخرجان غالبًا في الليل، يتجولان في شوارع المتن،
يراقبان السيارات ويبحثان عن سائق يبدو وحيدًا ومتعبًا. الهدف المثالي
بالنسبة لهما كان سائقًا يعمل في نهاية نوبته الليلية؛ رجل مرهق، نعسان، لا
يتوقع أن يكون الموت جالسًا خلفه.
عندما يركبان السيارة يبدأ الحديث عاديًا، يسألان عن الطريق ويتحدثان
قليلًا، وكل شيء يبدو طبيعيًا، حتى اللحظة التي يقول فيها أحدهما: "توقف هنا … أريد أن أنزل
دقيقة". ثم تأتي الرصاصة.
الطقوس المرعبة بعد القتل
لكن الجزء الأكثر ظلمة
في التحقيق كان ما يحدث بعد الجريمة. لم يكن القتل نهاية الأمر بل البداية. بعد إطلاق
النار كان الشقيقان يفتشان الجثة ببرود، يأخذان المال والهاتف وأي شيء يمكن
بيعه. لكن الغريب أنهما أحيانًا كانا يتركان بعض المال في الجيب، لأنهما
أرادا أن يظن المحققون أن الجريمة ليست بدافع السرقة. كان ذلك نوعًا من الخداع. ثم تأتي الخطوة
التالية: إخفاء
الأدلة. في بعض الجرائم كانا يقودان سيارة الضحية لساعات، وأحيانًا يستخدمانها لاستدراج ضحية أخرى. نعم، بعض الضحايا قُتلوا
داخل سيارة سائق تاكسي سبق قتله. فكرة مخيفة لدرجة أن أحد
المحققين وصفها لاحقًا بأنها "حلقة قتل داخل حلقة قتل". وفي أحيان كثيرة كانوا يحرقون
السيارة بالكامل لإزالة أي دليل جنائي.
الصدمة الأكبر للمحققين
عندما بدأ تحليل شخصية
القاتلين ظهرت مفارقة مخيفة. الجيران وصفوهما بأنهما مهذبان، اجتماعيان، يخرجان للسهر
ويضحكان كثيرًا. بمعنى آخر، لم يكن أحد يتوقع أن يكونا قاتلين متسلسلين. أحد
الجيران قال للمحققين جملة بقيت تتكرر في الصحف: "كانا يبدوان مثل أي
شابين عاديين". وهذا بالضبط ما جعل القضية أكثر رعبًا، لأن الشر أحيانًا لا
يرتدي قناع الوحش، بل قناع إنسان عادي.
اللحظة التي انهار فيها القاتل
الاعتراف لم يحدث فورًا. في البداية أنكر الجميع، لكن بعد 12 ساعة
من التحقيق المتواصل بدأ أحدهما يتكلم. وفي تلك اللحظة
انفجرت الحقيقة. اعترف بأن شقيقه كان يشتت السائق في الأمام بينما هو
في الخلف يرفع المسدس ويطلق النار، بهدوء كأن الأمر روتين.
قال للمحققين إن الفقر
واليأس دفعاه إلى ذلك، لكن خبراء علم النفس الجنائي الذين درسوا القضية لاحقًا قالوا إن
الفقر وحده لا يخلق قاتلًا متسلسلًا. هناك شيء آخر، شيء أعمق: الاعتياد
على القتل. بعد الجريمة الأولى لم يعد الحاجز النفسي موجودًا، ثم تتحول
الجريمة إلى عادة.
الرقم الذي أرعب بيروت
عندما جمع المحققون كل
الأدلة ظهر الرقم الحقيقي: 11 ضحية. أحد عشر شخصًا قتلوا بنفس الطريقة، رصاصة خلف الأذن،
وكلهم تقريبًا كانوا يعملون في مهنة واحدة: سائقي التاكسي. الصحافة
اللبنانية وصفت القضية حينها بأنها أول جريمة قتل متسلسل حقيقية في تاريخ لبنان.
النهاية … التي لم تمحُ الرعب
حُكم على الشقيقين
بالإعدام لاحقًا بعد إدانتهم بقتل الضحايا. لكن بالنسبة لكثير من سائقي التاكسي في بيروت لم
تنتهِ القصة هناك. لأن بعضهم يقول إنه حتى اليوم، عندما يجلس راكب صامت
في المقعد الخلفي ليلًا، فإن فكرة واحدة تمر في ذهنه: ماذا لو كان خلفي
شخص مثل ذلك القاتل؟ ماذا لو كان المسدس الآن موجهًا إلى رأسي؟
ملاحظة :نظرا لكون القسم جديدا فإن الموضوع الأول به _
الإفتتاحية _ من طرف أعضاء الإدارة، حتى يكون نموذجا للمشاركات
القادمة من طرفكم .
فكرة وقالب : عبد الله المغيصيب.
صياغة وكتابة : أزيز الصمت.
المصدر:




ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق