الجمعة، 27 مارس 2026

للأبد وخمسة أيام - حكاية عاشقتان حولتا دار مسنين إلى مسلخ بشري!

 



اياد العطار (كاتب، مؤسس موقع كابوس، محب للغموض، عاشق للتاريخ، مولع بالقراءة، يميل للآراء المنطقية رغم ان موقعه بعيد كل البعد عن المنطق ويدعو للمحبة والتسامح رغم انه يكتب عن الجريمة والرعب!.):

للأبد وخمسة أيام - حكاية عاشقتان حولتا دار مسنين إلى مسلخ بشري!



قبل ثلاثين عاماً ويزيد، كانت جدتي – رحمها الله – امرأة طاعنة في السن ومبتلاة بأمراض مزمنة. ورغم الوهن ، وتدهور الذاكرة .. إلا أنها لم تكن من العجائز اللواتي ينفطر قلبك شفقة عليهن .. لا .. كانت سيدة قوية ومحتدة ، ولها لسان لو طالك لتمنيت دونه جلد السياط .. لا عجب أن جدي مات مبكرا!

ومع أنني شخصياً لم أسلم من زوابعها ، إلا أنني أحببتها وكنت معجباً بصلابتها ، تمنيت لو أمتلكت جرأتها في قول ما في القلب دون مجاملة أو مداراة. لكن هذه الصلابة هي نفسها التي جعلت من العناية بجدتي في مرضها امرا مرهقا يستنزف الأعصاب ، وعليه فقد أتفقت العائلة ، بعد خلافات كثيرة ، على إيداعها مصحة أهلية خاصة بالمسنين. ورغم ممانعتها الشرسة ، وجدت الجدة نفسها حبيسة مكان تمقته ولطالما رفضت التواجد فيه.

خلال الزيارات بدأت العائلة تلاحظ تغيراً في سلوك الجدة ، صارت أكثر هدوءاً وتميل – على غير عادتها –  للصمت والتأمل. بالطبع أعجبهم ذلك ، ظنوه مؤشرا يؤكد صحة قرار إيداعها المصحة ، لكن هذا التفاؤل لم يدم طويلا .. ذات صباح رن الهاتف في منزل خالتي وعلى الطرف الآخر كانت مديرة المصحة تصرخ بعصبية تطلب الحضور فوراً لاستلام الجدة ، قائلة أنهم لم يعودوا قادرين على تحمل مشاكلها وتمردها المستمر.

وفعلا ذهب بعض افراد العائلة للمصحة مسرعين ، ليصدموا بالمنظر الرهيب: جدتي مربوطة بالسرير ، فمها مكمم ، ورأسها ينزف .. كانت في حالة يُرثى لها. تذرعت الإدارة بأنها سقطت عن السرير ، لكن الأرجح أنها تعرضت للضرب. أذكر يومها أن مشكلة كبيرة وقعت مع إدارة المصحة وصلت إلى الشرطة ، لكنهم أصروا على روايتهم مدعين أنهم قيدوها وكمموها خوفاً على سلامتها وبقية النزلاء لأنها أبت السكوت أو السكون.

وهكذا عادت الجدة إلى منزلها. وللمرة الأولى في حياتي وجدتني أشفق عليها .. ليس بسبب ما أصابها من جروح ، لكن لأنني رأيتها مكسورة ، وليس هناك أقسى على عزيز النفس من التعرض للانكسار. ولم يمض وقت طويل ، ربما أقل من شهر ، حتى فارقت الحياة ، رحمها الله ، رحلت الى بارئها تشكو جور الزمان والأبناء.

قصة جدتي ليست فريدة في عالم مؤسسات الرعاية الصحية على اختلاف أغراضها ومسمياتها ، طبعا لا يعني ذلك التقليل من اهمية هذه المؤسسات وما تضطلع به من مهام جسيمة وتسطره من انجازات مشرقة ، لكن الثوب الأبيض الناصع لا يخلو للأسف من بعض البقع ، وتماما كما حدث لجدتي ، وجد أناس كثر أنفسهم ضحية بعض المؤسسات الصحية المنحرفة عن اهدافها السامية. ولعل الجريمة التي سأحدثكم عنها اليوم هي التجسيد الأبشع لذاك الانحراف .. فما حدث في مصحة "ألبين مانور" لم يكن مجرد سوء تصرف او إهمال عابر، بل "لعبة" شريرة ومرعبة فاقت كل تصور وخيال.

رحلة الشر تبدأ بخطوة



جويندولين جراهام

أواخر عام 1986 ، تحت سماء ميشيغان الرمادية الباردة ، كانت شابة في الثالثة والعشرين من عمرها تدعى "جويندولين جراهام" تجر خطواتها المثقلة نحو بداية جديدة. هاربة من ماضٍ مضطرب في تكساس ، ومحملة بهشاشتها النفسية وعقدها الخاصة ، قادتها الأقدار لتبحث عن لقمة العيش في مدينة غريبة ، لينتهي بها المطاف أمام أبواب مصحة "ألبين مانور" لرعاية المسنين.

من الخارج ، لم يكن المبنى يوحي بأي دفء أو طمأنينة ، كتلة كئيبة بنوافذ باهتة ، تبدو وكأنها محطة انتظار أخيرة .. صالة ترانزيت بين الحياة والقبر. ولم يكن داخل المبنى بأفضل من خارجه ، فما أن دفعت "جويندولين" باب المدخل الزجاجي الثقيل حتى صفع وجهها شيء منفر وثقيل في الهواء لا تلتقطه الأنوف لكن تنقبض له الأرواح .. عبق خفي للموت البطيء ، للعجز ، والوحدة الموحشة. وصمت كئيب لا يقطعه سوى طنين الأجهزة الطبية أو أنين خافت وتمتمات غير مفهومة لعجائز ابتلع الخرف والزهايمر ما تبقى من عقولهن.

في وسط هذا الجو المشبع بالكآبة ، وخلال ساعاتها الأولى في العمل كـ "مساعدة ممرضة" ، التقت "جويندولين" أو "جوين" كما اعتادوا على مناداتها ، بمن ستكون نقطة التحول الأسود في حياتها: المشرفة "كاثي وود". امرأة مطلقة ، تكبرها بعام واحد، وتتمتع بشخصية طاغية ونظرة ثاقبة.

لم يكن اللقاء مجرد تعارف روتيني بين مشرفة وممرضة جديدة ، بل تناغما بين روحين تنطوي كل منهما على مقدار كبير من الاضطراب والعقد النفسية ، ومن تلك النظرة ، في قلب ذلك المكان المنسي ، انطلقت الشرارة الأولى لعلاقة سامة ، وشراكة شيطانية ستجعل من تلك المصحة الكئيبة مسلخاً حقيقياً.

علاقة كل ما فيها شاذ!



كاثي وود

علاقة الزمالة والصداقة الناشئة بين المرأتين تطورت سريعا إلى علاقة حب شاذة ، لم تكن شاذة في جانبها الجسدي فقط ، بل أيضا في طبيعة الافكار الغريبة ، فعندما احست "جوين" بأن "كاثي" تحاول التقرب إلى ممرضة اخرى ، أشتعلت نيران الغيرة في قلبها وأزبدت وأرعدت ، رغم أصرار "كاثي" على أنها مخلصة لحبهما ، إلا أن ذلك لم يكن كافيا ، واقترحت "جوين" أمرا مجنونا لاثبات ذلك الاخلاص ، قائلة بأنه يجب ان يكون هناك "رباط أبدي" يمنع أي منهما من مغادرة العلاقة ، وهذا الرباط يجب ان يُرسم ويعمد بالدم .. عليهما اقتراف جريمة قتل معا!

وبما أني أخبرتكم مسبقا بأن هذه العلاقة كانت شاذة في كل شيء ، فلا عجب أن هذا الأقتراح الأحمق لم يجد معارضة أو نفورا من قبل "كاثي" ، وهو ما كان يجب أن يكون ، بالعكس ، وجد الأمر هوى في نفسها. لقد كانتا من نفس العينة والطينة ، يصح عليهما المثل القائل: "وافق شن طبقة"!

وهكذا ، في ذات ليلة باردة من يناير/كانون الثاني 1987 ، توجهت الممرضتان إلى حجرة إحدى النزيلات ، لا لتقديم المساعدة كما يفترض ، بل لأمر جلل وشر دبر بليل. ..

فتحتا الباب ببطء ، النزيلة كانت سيدة طاعنة في السن مصابة بالزهايمر ، غارقة في نوم عميق ، وقفت "كاثي" عند الباب تراقب الممر لئلا يأتي أحد فيما اقتربت "جوين" من السرير وهي تحمل بيدها منشفة حمام كبيرة ، وبسرعة البرق وضعت المنشفة على وجه العجوز وضغطت بكل قوتها ، حاولت الضحية المسكينة أن تقاوم ، لكن آنى لسواعد اوهنها المرض والعجز ان تقاوم عنفوان الشباب وجموحه ، لذا سرعان ما خارت قواها ولفظت انفاسها الاخيرة.

وقفت "جوين" لحظة تلتقط انفاسها المتسارعة ثم تراجعت الى الوراء على مهل والتفتت الى كاثي تبادلها قبلة وتقول: "هذا رباط حبنا الازلي وسرنا الذي سيجمعنا إلى الابد ويمنع أي منا من المغادرة .. لأن البديل سيكون حبل المشنقة!".

صباح اليوم التالي اكتشف كادر المستشفى جثة السيدة العجوز ، وبعد فحص روتيني سريع اعلنوا وفاتها لاسباب طبيعية .. المرض والشيخوخة .. بالنهاية من كان سيهتم لموت سيدة في الثمانين مصابة بالخرف.

رباه! .. أي وضاعة ، وأي عقل شيطاني يمكن أن يتفتق عن هكذا شر؟ .. صدقا لولا انها قصة موثقة لظننت بانها مجرد حكاية خيالية ، قصة من قصص المانغا اليابانية العجيبة ، فهناك فقط يمكن ان تعثر على هكذا جنون ومجون.

وليت الأمر توقف عند هذا الحد ، لا .. فالقادم أشد سوادا ورعبا .. لأننا هنا امام امرأتان تتنافسان فيما بينهما بحجم الدونية والجنون ، طاب لهما القتل ووجدتا فيه لذة لا توصف ، وهكذا فقد تفتق عقلهما عن خطة جديدة ما خطرت يوما حتى على ابليس نفسه!. ذات ليلة ، بينما هما تتقلبان جنبا الى جنب في السرير ، اقترحتا على بعض خوض لعبة جهنمية ، قتل المزيد من العجائز ، على أن يكون تسلسل جرائمهما بحسب حروف كلمة قتل بالانجليزية(M-U-R-D-E-R) ..  أي أن الضحية الأولى يجب ان يبدأ أسمها بحرف (M) .. وهكذا دواليك وصولا إلى حرف (R).

ورغم ان كلام الليل يمحوه النهار كما يقال ، لكن هذا المثل لا ينطبق على على بطلتي قصتنا ، فقد التزمتا بمخططهما الجهنمي بحذافيره وسرعان ما وضعتاه موضع التنفيذ. غير أن البداية كانت متعثرة ، فالضحية الأولى ، السيدة (M) ، التي وقع اختيار الحروف عليها ، قاومت بشدة مما دفعهما للهرب دون إتمام المهمة.

بالطبع لم تشتكي النزيلة العجوز ولم يعلم أحد بما حدث ، فنحن هنا نتحدث عن عجائز مصابات بالزهايمر ومنفصلات عن الواقع تماما ، حتى لو تكلمن .. من سيصدقهن؟

الفشل دفع الحبيبتين للبحث عن أسلوب جديد للقتل ، كان عليهما التخلي عن فكرة "لعبة الحروف" المعقدة بأخرى تكون أسهل ، ووقع اختيارهما على تعبير شهير ورائج بين العشاق ، حيث يقول المحب لمن يهواه: "سأحبك للأبد .. ويوم" ، دلالة على أن حبه سيتجاوز حدود الزمن. وقررت الممرضتان، في ذروة هوسهما ، تحويل هذا التعبير الرومانسي إلى عدّاد للموت .. كل عجوز تزهقان روحها ستمثل "يوماً" إضافياً في عمر حبهما الأبدي وميثاقهما الدموي.

وانفتح باب الجحيم على مصراعيه في أروقة "ألبين مانور". لم تعد الجريمة مجرد "رابط حب" ، بل تحولت إلى إدمان ، وإلى طقس روتيني لكسر ملل المناوبات الليلية. في غضون أسابيع قليلة من شتاء عام 1987 ، تساقطت العجائز واحدة تلو الأخرى. خمس سيدات تتراوح أعمارهن بين 60 و 98 عاماً، أغلبهن يعانين من الزهايمر المتقدم ، غادرن الحياة بصمت مرعب تحت وطأة المنشفة القاتلة.

الطريقة كانت هي ذاتها دائماً: عتمة الليل ، مريضة لا حول لها ولا قوة ، "كاثي" تراقب الباب ، و"جوين" تضغط بالمنشفة على وجه الضحية حتى تسكن حركتها تماماً. وفي صباح اليوم التالي ، يُسجل طبيب المصحة سبب الوفاة على أنه "سكتة قلبية" أو "شيخوخة" .. فمن ذا الذي سيشتبه في موت عجوز داخل دار مسنين؟

لقد وصل بهما الشعور بالقدرة المطلقة والنشوة إلى حد الوقاحة. كانتا تتهامسان وتلمحان لجرائمهما أمام زملاء العمل ، بل وتتفاخران بها ، لكن الزملاء السذج ظنوا أنها مجرد "دعابة سوداء" ومزاح مريض لتخفيف ضغط العمل ، ولم يأخذوا كلامهما يوماً على محمل الجد.

وبعد الضحية الخامسة ، بلغت الرومانسية المريضة بـ "كاثي" أن تكتب قصيدة غرامية لجوين ، ختمتها بعبارة تقشعر لها الأبدان، حيث كتبت تقول: "ستكونين لي .. للأبد وخمسة أيام!".

عندما يختلف "اللصوص" تظهر الحقيقة



كما يقال ، لا يوجد شرف بين اللصوص ، فما بالك بقاتلتين مهووستين؟ فرغم كل الدماء التي سُفكت لتكون أسمنتًا يربط علاقتهما للأبد ، بدأ هذا البنيان المريض بالتصدع.

بدأ الخلاف حين طالبت "جوين" حبيبتها "كاثي" بأن تثبت صدق حبها هي الأخرى ، وتقوم بتنفيذ جريمة قتل بيديها لتتساوى الكفتان. لكن "كاثي" تراجعت ورفضت. وهنا، تسلل الفتور إلى العلاقة، وبدأت عينا "جوين" تزوغان نحو ممرضة أخرى تعمل معهما في نفس المصحة.

ولم يمر وقت طويل حتى وقعت الخيانة الكبرى؛ هجرت "جوين" حبيبتها القديمة ، وحزمت حقائبها لتنتقل مع عشيقتها الجديدة إلى ولاية تكساس تاركة "كاثي" خلفها تحترق بنار الغيرة.

والمفارقة المرعبة هنا عزيزي القارئ ، والمبكية حقاً ، أن "جوين" بمجرد وصولها إلى تكساس ، التحقت بالعمل في مستشفى جديد .. هل تحزرون في أي قسم؟ في قسم رعاية الأطفال الرضع! نعم، تخيلوا تلك الأيدي الملوثة بدماء العجائز وتاريخ الخنق ، تمتد الآن للعمل بين أطفال حديثي الولادة!

أما "كاثي" المتروكة وحيدة في ميشيغان ، فقد جن جنونها. تحول ذلك الحب المريض إلى سم زعاف ورغبة انتقامية لا تُبقي ولا تذر. أرادت تدمير "جوين" بأي ثمن ، حتى لو كان تدمير نفسها ودخولها السجن معها.

وفي عام 1988، قررت "كاثي" أن تفجر القنبلة. توجهت إلى زوجها السابق ، الذي ما زال يربطها به بعض التواصل ، وسكبت أمامه كل شيء. اعترفت له بكل تفاصيل الليالي الدموية في "ألبين مانور" ، وبأرواح العجائز اللواتي أُزهقت بدم بارد.

الزوج السابق أصيب بصدمة شلت تفكيره من هول ما سمع ، لم يجد أمامه سوى التوجه فوراً إلى قسم الشرطة في مدينة "ووكر" ، ليفتح بذلك أبواب الجحيم على الممرضتين ، ويبدأ كابوس التحقيقات الذي سيكشف للرأي العام واحدة من أبشع الجرائم في تاريخ دور الرعاية.

وبمجرد أن أدلى الزوج السابق بشهادته المروعة ، بدأت عجلات التحقيق تدور في صمت. استدعى المحققون "كاثي وود"، وهنا ، لعبت هذه الأخيرة دور العمر. بدموع التماسيح ووجه البراءة المزعوم ، سربت لهم القصة ببطء وخبث ، مصورة نفسها على أنها الضحية المغلوبة على أمرها ، مجرد مراقبة مرعوبة أسيرة لعلاقة شاذة ، بينما صورت "جوين" كوحش كاسر متعطش للدماء لا يمكن إيقافه.

أمرت السلطات باستخراج جثتين من ضحايا المصحة. وكما هو متوقع في حالات الخنق بالمنشفة لمن هم في هذا العمر المتقدم ، لم يعثر الطبيب الشرعي على أدلة مادية قاطعة أو آثار عنف واضحة ، لكن اعترافات كاثي وتفاصيلها الدقيقة كانت كافية لتوجيه تهمة القتل العمد. وفي ديسمبر 1988 ، انقضت الشرطة على الممرضتين ، أُلقي القبض على "كاثي" في ميشيغان، بينما أُعتقلت "جوين" في تكساس ، بعيداً عن أطفال المستشفى الذين كانت ترعاهم هناك.

أخيرا أمام العدالة - الحب يتحول إلى خيانة



في قاعة المحكمة ، تجلت أبشع صور الخسة الإنسانية. عقدت "كاثي" صفقة مع الشيطان ، أو بالأحرى مع المدعي العام ، اعترفت ووافقت على الشهادة ضد حبيبتها السابقة مقابل تخفيف الحكم عليها. وقفت في منصة الشهود لتسرد تفاصيل جرائمهما ببرود مذهل ، ملقية بالعبء الأكبر على "جوين" ، التي وقفت مذهولة ، تصر على براءتها ، وتدعي أن "كاثي" اخترعت هذه القصة بأكملها كلعبة نفسية مريضة لتدميرها انتقاماً لهجرها.

لكن الضربة القاضية لم تأتِ من "كاثي" وحدها .. بل من تكساس. فقد تم استدعاء العشيقة الجديدة للشهادة ، لتفجر مفاجأة دمرت دفاع "جوين" تماماً ، حين أقسمت بأن الأخيرة اعترفت لها ذات ليلة ، في لحظة ضعف ، باقتراف خمس جرائم قتل في "ألبين مانور".

أسدل الستار على المحاكمة بأحكام تثير الغصة في الحلق. نالت "جويندولين جراهام" خمسة أحكام متتالية بالسجن مدى الحياة ، لتقبع خلف القضبان بلا أمل في الخروج. أما "كاثي وود"، التي قدمت نفسها كحمامة سلام ، فقد كوفئت على خيانتها وتعاونها مع القضاء ، وحُكم عليها بالسجن من 20 إلى 40 عاماً فقط!

لكن الكابوس لم ينتهِ هنا عزيزي القارئ. فبعد سنوات من المحاكمة ، ظهرت تحقيقات وكتب استقصائية قلبت الطاولة تماماً. كشفت شهادات الزملاء والتحليلات النفسية أن "كاثي" لم تكن ضحية قط ، بل كانت مريضة بالكذب وسيكوباتية من الطراز الأول ، وأنها هي "العقل المدبر" الذي خطط للجرائم كبوليصة تأمين لضمان بقاء "جوين". بل والأدهى من ذلك ، أن "كاثي" تفاخرت لاحقاً أمام زميلاتها في السجن بروايتين: الأولى أنها لفقت القصة بالكامل لتسجن "جوين" للأبد ، والثانية أنها هي من قتلت العجائز بيديها ولفقت التهمة لجوين لتنتقم منها!

والطامة الكبرى أن "كاثي وود" قد تم الإفراج عنها بالفعل في يناير عام2020 ! نعم، تلك المرأة التي لعبت بأرواح المسنين كبيادق شطرنج، غادرت سجنها الفيدرالي ، وتعيش الآن حرة طليقة مع أقاربها ، تتنفس هواءً نقياً وتستمتع بشيخوختها .. تلك الشيخوخة التي سلبتها من ضحاياها بدم بارد وفي عتمة الليل.

ختاما...

لا أخفيكم سرا أني أكره كتابة هذه القصص ، ولهذا توقفت عن الكتابة منذ زمن بعيد ، فهي تؤرق النفس وتؤذي الوجدان وتزرع في النفس هواجس سوداء تجعلك تقف حائرا أمام تعقيدات وغرابة نوازع النفس البشرية. قد يقول قائل: هذه حالات شاذة وفريدة. لكني شخصيا دخلت مستشفيات لفترات طويلة لرعاية بعض أحبائي ، وشاهدت بأم عيني مدى الإهمال وانعدام الانسانية لدى "بعض" العاملين في المجال الصحي واللامبالاة بمعاناة الآخرين والاستهانة بكرامتهم .. ما حدث لجدتي ، ولضحايا قصتنا ، ولأناس كثر حول العالم قادتهم مصائرهم إلى تلك الأماكن "البائسة" ليس شيئا فريدا كما قد تظنون ، بل هو للأسف الوضع الطبيعي – في بعض البلدان – وما سواه هو غير المعتاد!

أنت لا تحتاج لمنشفة أو وسادة لتقتل المرضى والعاجزين ، يمكنك ان تقتلهم بعدم قيامك بعملك على أتم وجه ، بعدم احترام كرامتهم وانسانيتهم .. بأن تقتل فيهم الروح قبل الجسد .. ويالله ما أقسى أن تنزف كرامة المرء فوق جروح مرضه وعجزه.

طيب ماذا نفعل؟ نلغي الطب لاجل عيونك لكي ترتاح هواجسك!

لم أقل هذا ، مثلما هناك "البعض" المسيء هناك أيضا نماذج مشرفة كثيرة ، لكني أقول أن النوايا الحسنة ليست معيارا ولا ميزانا ننظم به شؤون حياتنا ، القانون والرقابة الصارمة يجب أن تكون هي الفيصل والناموس ، ما حدث في "ألبين مانور" لا تتحمله القاتلتان فقط ، بل أدارة المصحة أيضا. للأسف في مؤسسات صحية عديدة حول العالم يتم التغاضي عن بعض أفراد الكادر المسيئيين أما اهمالا او تواطئا أو خوفا أو محاباة.

أخيرا .. لم أكن أتمنى أن أكتب لكم هكذا قصة في أجواء العيد ، لكني لم أجد أفضل منها لأذكر نفسي وإياكم في هذه الأيام المباركة بأهمية مراعاة كبار السن في عوائلنا والعناية بهم وتحمل غضبهم وعنادهم.

كل عام وأنتم بخير ، وتقبل الله طاعاتكم ، وأدام عليكم نعمة الصحة ، وحفظ لكم أحباءكم من كل سوء.

المصدر

Gwendolyn Graham and Cathy Wood - Wikipedia

https://kabbos.com/%d9%84%d9%84%d8%a3%d8%a8%d8%af-%d9%88%d8%ae%d9%85%d8%b3%d8%a9-%d8%a3%d9%8a%d8%a7%d9%85-%d8%ad%d9%83%d8%a7%d9%8a%d8%a9-%d8%b9%d8%a7%d8%b4%d9%82%d8%aa%d8%a7%d9%86-%d8%ad%d9%88%d9%84%d8%aa%d8%a7-%d8%af/

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

السلام عليك يا صاحب الزمان وخليفة الرحمن

 السلام عليك يا صاحب الزمان وخليفة الرحمن