مصادرة إرادة الشعوب بين وهم الديمقراطية وهيمنة المصالح الدولية
تُعدّ الديمقراطية في الخطاب السياسي العالمي المعيار الأقرب لشرعية الحكم، غير أن الواقع العملي يكشف عن مفارقة صارخة بين ما يُرفع من شعارات حول احترام إرادة الشعوب، وما يُمارس فعليًا حين تتعارض تلك الإرادة مع مصالح القوى الكبرى.
إن تجاوز نتائج الانتخابات أو التشكيك بشرعية خيارات الشعوب بحجة “المقبولية الإقليمية والدولية” يمثل انعطافا خطيرًا عن روح الديمقراطية، ويحوّلها من آلية تمكين للشعوب إلى أداة مشروطة برضا الخارج.
ففي مثل هذه الحالات، لا يكون المعيار الحقيقي هو إرادة المواطن، بل توافق القرار السياسي مع مصالح القوى المهيمنة على النظام الدولي.
تجربة العراق تُجسّد هذا الإشكال بوضوح، حيث جرى في مراحل متعددة التعامل مع نتائج العملية السياسية وفق منطق التوازنات الخارجية أكثر من منطق التفويض الشعبي.
وهذا سبب خللًا بنيويًا في مفهوم السيادة، إذ تصبح الدولة رهينة لضغوط سياسية واقتصادية وأمنية تمارسها أطراف إقليمية ودولية.
ولا يقتصر هذا النمط على العراق وحده؛ ففنزويلا، على سبيل المثال، واجهت ضغوطًا وعقوبات واسعة حين اختار شعبها مسارًا سياسيًا لا ينسجم مع التوجهات الغربية. احد اختطاف رئيسها في وضح النهار دون اي ردة فعل في عالم طالما تغني بالديمقراطية وحقوق الانسان.
وقد تم تسويغ تلك الضغوط بخطاب حقوقي أو ديمقراطي، بينما كان الدافع الفعلي مرتبطًا بإعادة تشكيل القرار السياسي والاقتصادي بما يخدم مصالح خارجية.
إن مصادرة إرادة الشعوب لا تمثل فقط اعتداءً على الديمقراطية، بل هي أيضًا تعبير عن مشروع أوسع لإعادة هندسة المنطقة سياسيًا واقتصاديًا، بما يضمن السيطرة على الموارد، وتحييد أي مشروع استقلالي، وحماية منظومات نفوذ تخدم الهيمنة الدولية، وعلى رأسها المشروع الأمريكي الصهيوني في الشرق الأوسط.
ولا يعني هذا تبرئة الأنظمة من أخطائها أو تبرير الفساد وسوء الإدارة، بل المقصود التأكيد على أن الإصلاح الحقيقي لا يمكن أن يُفرض من الخارج، ولا أن يتحقق عبر أدوات ضغط تستهدف إضعاف الدول بدل تمكين شعوبها.
إن التحدي الحقيقي أمام شعوب المنطقة يتمثل في استعادة سيادتها على القرار السياسي، وبناء أنظمة تستمد شرعيتها من الداخل لا من الخارج، وتحويل الديمقراطية من مجرد إجراء شكلي إلى تعبير فعلي عن الإرادة الشعبية الحرة.
وفي نهاية المطاف، فإن احترام إرادة الشعوب ليس منّة من القوى الكبرى، بل حق أصيل، وأي نظام دولي يتجاهل هذا الحق إنما يكرّس عالمًا تحكمه المصالح لا القيم، والقوة لا العدالة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق