السبت، 28 فبراير 2026

تفكيك العالم المشترك…الإمبراطورية الأميركية بدل النظام الدولي…

 

2026February18 - 20:52

سرويس کيهان عربي: عباس المعلم:

تفكيك العالم المشترك…الإمبراطورية الأميركية بدل النظام الدولي…

 لم تعد التحوّلات الكبرى في النظام الدولي تُدار عبر القنوات الدبلوماسية التقليدية ولا تُصاغ بمنطق التوازنات القانونية، بل باتت تتشكل في فضاء القسر العاري، حيث تُستبدَل الشرعية بالقوة، والقانون بالإرادة، والمؤسسات بالإملاءات.

في هذا السياق لا يظهر دونالد ترامب كرئيس دولة داخل منظومة عالمية، بل كفاعل تفكيكي يتعامل مع النظام الدولي ذاته بوصفه عائقاً استراتيجياً يجب تجاوزه لا إصلاحه، وتفكيكه لا اختراقه، وتعطيله لا التحكم به. إننا لا نواجه نمطاً سلوكياً عدوانياً ظرفياً، بل مشروعاً بنيوياً لإعادة هندسة العالم من خارج قواعده، وإعادة إنتاج السلطة الدولية خارج مرجعياتها، وبناء نظام موازٍ يقوم على منطق الهيمنة الأحادية لا الشراكة، وعلى مبدأ الإكراه لا التوافق، وعلى فلسفة السيطرة لا التنظيم. ترامب لم يعبَث بأمن العالم فقط عبر الحروب والعقوبات والحصار ومصادرة السيادات الوطنية بالقوة العسكرية والأمنية، بل تجاوز ذلك إلى مستوى أخطر يتمثل في استهداف البنية الفوقية للنظام الدولي ذاته، أيّ الأمم المتحدة ومجلس الأمن بوصفهما الإطارين المنظمين للعلاقات بين الدول، حيث بدأ منذ توليه السلطة بسحب الدعم السياسي والمالي والمعنوي عن الأمم المتحدة ومؤسساتها، لا بوصفها مؤسسات فاشلة، بل بوصفها كيانات تحدّ من حرية القرار الأميركي المطلق، وتقيّد مشروع الهيمنة غير المقيدة بضوابط قانونية أو أخلاقية أو إنسانية.

لم تسلم منظمة الصحة العالمية لأنها مثلت نموذجاً للاستقلال المؤسسي العابر للهيمنة، ولم تسلم الأونروا لأنها تشكل شاهداً قانونياً وإنسانياً دائماً على جريمة الاقتلاع التاريخي في فلسطين، ولم تسلم المنظمات الإنسانية لأنها تُقيّد منطق التوحش السياسي والعسكري، ولم تسلم المؤسسات الدولية لأنّ وجودها بحدّ ذاته يشكل عائقاً أمام تحويل واشنطن إلى مرجعية كونية عليا.

والمفارقة الكاشفة أنّ الولايات المتحدة، وهي صاحبة النفوذ الأقوى داخل الأمم المتحدة ومجلس الأمن، لا تسعى للهيمنة من داخل المنظومة، بل تعمل على تفريغها من معناها، لأنها لم تعد تقبل حتى بفكرة الشراكة الرمزية في القرار الدولي، بل تريد احتكار القرار كلياً، واحتكار الشرعية كلياً، واحتكار تعريف الصواب والخطأ، والحرب والسلم، والعقوبة والمكافأة. خارج المنظومة الدولية، مارست واشنطن بلطجة كونية صريحة تمثلت في الغزو والحصار والعقوبات الأحادية والاغتيالات السياسية والاعتداء على سيادات الدول وإدارة الحروب دون تفويض أممي، من العراق إلى سورية، ومن إيران إلى فنزويلا، ومن فلسطين إلى لبنان، ومن روسيا إلى كلّ من يخرج عن الطاعة الجيوسياسية، في مشهد يعكس انتقالاً من خرق القانون الدولي إلى إلغائه عملياً، ومن تجاوزه إلى استبداله بمنطق القوة المجردة. الأخطر من ذلك أنّ ترامب بدأ يقوّض مجلس الأمن ذاته، لا عبر تعطيله فقط، بل عبر خلق بدائل هجينة كالمجالس الخاصة والتحالفات الانتقائية وفرض الوقائع العسكرية والأمنية والاقتصادية كأمر واقع خارج أيّ قرار أممي، وتحويل الفيتو الأميركي من أداة داخل المجلس إلى بديل عن المجلس نفسه، في مسار يهدف إلى نزع ما تبقى من حقّ النقض لبقية الدول بشكل عملي لا قانوني، عبر تفريغ المجلس من قيمته الوظيفية والسياسية والرمزية. نحن أمام انتقال استراتيجي خطير من نظام دولي متعدّد المرجعيات إلى نظام أميركي أحادي المرجعية، ومن شرعية دولية إلى شرعية القوة، ومن القانون إلى ميزان الردع، ومن المؤسّسات إلى الإرادة، ومن التعدّد إلى الاحتكار، ومن الشراكة إلى الإخضاع، حيث تتحوّل واشنطن من دولة كبرى إلى مركز قيادة كوني، ومن لاعب دولي إلى مرجعية فوق دولية، ومن طرف في النظام إلى نظام بحدّ ذاته. الخطر الحقيقي لا يكمن في ترامب كشخص، بل في النموذج الذي يؤسّسه، وفي المسار الذي يدشّنه، وفي البنية التي يعيد تشكيلها، لأن ترسخ هذا المشروع يعني سقوط فكرة النظام العالمي نفسها، وسقوط مفهوم الشرعية الدولية، وسقوط منطق العالم المشترك، والدخول في عصر الفوضى المُنظمة بالقوة، حيث لا قانون يحمي الضعفاء، ولا مؤسسات تضبط الأقوياء، ولا منظومة تنظم الصراعات، ولا مرجعية تضبط الانفجار، بل عالم تحكمه إرادة القوة، وتديره منظومات الردع، وتضبطه توازنات الخوف، وتعيد إنتاجه الحروب والعقوبات والحصار والابتزاز السياسي، وحينها لن يكون السؤال من يحكم العالم، بل من ينجو من عالم بلا نظام، لأنّ أخطر ما في هذا المشروع ليس إسقاط الأمم المتحدة، ولا تفكيك مجلس الأمن، بل إسقاط فكرة الإنسانية السياسية المشتركة ذاتها، وتحويل العالم إلى ساحة صراع مفتوحة بلا سقف قانوني، ولا قيد أخلاقي، ولا ضابط استراتيجي، حيث تصبح الإمبراطورية قانوناً، والقوة شريعة، والخضوع نظاماً عالمياً جديداً

https://kayhan.ir/ar/news/221102/%D8%AA%D9%81%D9%83%D9%8A%D9%83-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D8%AA%D8%B1%D9%83%E2%80%A6-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%85%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%B7%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%8A%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A9-%D8%A8%D8%AF%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B8%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%E2%80%A6

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

السلام عليك يا صاحب الزمان وخليفة الرحمن

 السلام عليك يا صاحب الزمان وخليفة الرحمن