السبت، 28 فبراير 2026

تراجع الخصوبة في فرنسا..تعرف علي أسباب هذا الاستثناء الديمغرافي

 

الأربعاء 2026/2/25 03:13 م بتوقيت أبوظبي

العين الإخبارية:

تراجع الخصوبة في فرنسا..تعرف علي أسباب هذا الاستثناء الديمغرافي



تراجع الخصوبة في فرنسا

تشهد فرنسا تحولاً سكانياً لافتاً مع تراجع المواليد إلى ما دون الوفيات عام 2025، في مسار يعكس تبدلات اجتماعية واقتصادية عميقة.

على مدى عقود، تميّزت فرنسا داخل أوروبا بمستوى خصوبة مرتفع نسبياً مقارنةً بجيرانها. غير أن هذا "الاستثناء الفرنسي" يتلاشى اليوم بفعل تحولات عميقة في أنماط الحياة، والبنية الاجتماعية، والجغرافيا السكانية، وتمثلات الأفراد للمستقبل.

وقالت صحيفة "سليت" الفرنسية إن خلف تراجع أرقام المواليد في فرنسا تتشكل إعادة تركيب مجتمعي واسعة تعيد رسم ملامح فرنسا الديمغرافية.

عجز طبيعي للمرة الأولى منذ سنوات

في مطلع عام 2026، نشر المعهد الوطني الفرنسي للإحصاء والدراسات الاقتصادية تقديراته، التي أظهرت أن فرنسا سجّلت عام 2025 نحو 645 ألف ولادة، مقابل 651 ألف وفاة، أي عجزاً طبيعياً (عدد الوفيات يفوق عدد المواليد). ورغم أن هذا التطور لم يكن مفاجئاً، فإنه يعكس مساراً تنازلياً بدأ قبل أكثر من عقد.

وبلغ مؤشر الخصوبة الكلي عام 2025 نحو 1.56 طفلًا لكل امرأة، وهو أعلى من متوسط الاتحاد الأوروبي (1.38 طفلًا في 2023)، لكنه الأدنى في فرنسا منذ الحرب العالمية الأولى.

وبالمقارنة، تعرف ألمانيا عجزاً طبيعياً منذ 1970، وإيطاليا منذ 1990، ما يعني أن فرنسا تلتحق تدريجياً بالاتجاه الأوروبي العام.

مؤشرات القياس بين "اللحظة" و"المحصلة النهائية"

يعتمد قياس الخصوبة أساساً على:

"المؤشر الظرفي للخصوبة": يقدّر عدد الأطفال المتوقع أن تنجبهم المرأة إذا حافظت على معدلات الخصوبة المسجّلة في سنة معينة طوال حياتها الإنجابية (15–49 عاماً). ميزته أنه يُحتسب آنياً، لكنه يتأثر بتأجيل الإنجاب.

"النسل النهائي": يُحصي فعلياً عدد الأطفال الذين أنجبهم جيل من النساء بعد انتهاء سنّ الخصوبة. وهو أدقّ، لكنه لا يُعرف إلا بعد بلوغ الجيل 50 عاماً.

منذ 1980، تذبذب المؤشر الظرفي بين 1.94 طفلًا لكل امرأة، ثم هبط إلى 1.73 عام 1995، وارتفع إلى 2.03 عام 2010، قبل أن يدخل مسار تراجع سريع منذ 2014، وصولاً إلى 1.56 في 2025.

أما النسل النهائي لأجيال 1960–1980، فبقي مستقراً نسبياً بين طفلين و2.1 طفل، مع توقع انخفاضه لدى أجيال التسعينيات.

تأخر سن الإنجاب وتداعياته

يتواصل تأخر سنّ الأمومة منذ أواخر الستينيات. فقد ارتفع متوسط عمر الأم عند الولادة من 29.6 عاماً عام 2005 إلى 31.2 عاماً في 2025. ويؤثر هذا التأجيل في فرص الإنجاب، نظراً لتراجع الخصوبة البيولوجية بعد سن الثلاثين.

كما تراجعت نسبة النساء اللواتي أنجبن طفلاً واحداً على الأقل: 87% لدى جيل 1930، و80% لدى جيل 1970، وقرابة 75% لدى جيل 1980.



جغرافيا جديدة للخصوبة

طوال القرن العشرين، كانت الخصوبة في فرنسا تتخذ شكل "منحنى U" اجتماعياً: الأعلى لدى الفئات الأكثر ثراءً والأكثر تواضعاً، والأدنى لدى الطبقات الوسطى. كما وُجد "هلال خصب" في الشمال يتفوق على الجنوب، مدعوماً ببنية صناعية وقيم عائلية تقليدية أقوى.

لكن خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة، تلاشى هذا "الهلال"، مع انخفاض شامل في معظم المناطق. ولم تعد هناك سوى جيوب محدودة بخصوبة أعلى نسبياً، مثل شرق بريتاني ومنطقة باي دو لا لوار، حيث تستمر أنماط عائلية تقليدية.

كما تُسجَّل معدلات أعلى نسبياً في أطراف منطقة باريس ووادي الرون، حيث تتركز طبقات شعبية أكبر.

أما مناطق مثل نور-با-دو-كاليه ولورين، فقد شهدت تراجعاً ملحوظاً في الأسر الكبيرة، متأثرةً بتراجع الصناعة وارتفاع البطالة والهشاشة الاقتصادية.

تراجع الرغبة في الإنجاب

تاريخياً، كان عدد الأطفال المرغوب فيهم يفوق العدد المُنجز فعلياً، بسبب عوائق مثل العقم، والانفصال، أو الضغوط الاقتصادية. لكن اللافت اليوم هو انخفاض الرغبة نفسها.

قبل 25 عاماً، كان الزوجان يطمحان إلى طفلين أو ثلاثة. أما اليوم، فغالباً ما يكتفيان بطفل أو طفلين. كما أن نسبة الرافضين للإنجاب ارتفعت من 5% إلى 12%، لكنها لا تزال أقلية.

فرضيات مفسرة لتراجع الخصوبة

التعليم وعمل المرأة لعبا دوراً كبيراً في خفض الخصوبة سابقاً، لكن تأثيرهما استُنفد نسبياً اليوم، بعد أن أصبحا جزءاً من واقع مستقر.

القلق من المستقبل يُعد عاملاً حاسماً، ويشمل عدم اليقين الاقتصادي، والتغير المناخي، والتوترات الجيوسياسية.

سوق العمل، رغم تراجع البطالة، شهد تزايداً في العقود المؤقتة وتأخراً في الحصول على وظيفة مستقرة.

السكن يشكل تحدياً كبيراً، مع نقص المعروض وارتفاع الأسعار، خصوصاً في المدن الكبرى، ما يدفع الشباب إلى العيش مع الأهل أو في سكن مشترك.

الاعتبارات البيئية برزت أيضاً؛ إذ ينظر بعض الشباب المتعلمين في المدن إلى عدم الإنجاب أحياناً كخيار "بيئي".

أي مستقبل للخصوبة في فرنسا؟

تشير المعطيات إلى أن فرنسا تمرّ بمنعطف ديمغرافي بدأ قبل نحو عقد، مع تحول النمو الطبيعي إلى عجز. ومن المتوقع أن يبقى المؤشر الظرفي دون 1.7 حتى نهاية العقد، دون أن يهبط غالباً تحت 1.3، نظراً لبقاء الرغبة في الإنجاب.

وهذا يعني أن العجز الطبيعي قد يصبح واقعاً دائماً، لتصبح فرنسا "دولة أوروبية كغيرها" في مسار شيخوخة السكان وتراجع المواليد، بعد أن كانت تُعد الاستثناء الأبرز في القارة.

https://al-ain.com/article/france-fertility-decline-demographic-shift

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

السلام عليك يا صاحب الزمان وخليفة الرحمن

 السلام عليك يا صاحب الزمان وخليفة الرحمن