2026February02 -
21:54
سرويس کيهان
عربي: البناء:
من جزيرة إبستين إلى ساحات الحروب
–
ما تكشفه فضائح جيفري ابستين ليس مجرد شبكة انحرافات جنسية، بل
انهيار معيار الأهلية الأخلاقية للنخبة الحاكمة والمؤثرة عالميًا. الأخطر من
الجرائم ذاتها هو السياق الذي احتواها: عالمٌ يُكافئ النفوذ، ويتغاضى عن البشاعة،
ويحوّل الكفاءة أيًّا كان موضوعها إلى معيار إعجاب بديل عن الأخلاق.
– في هذا العالم،
يصبح الإتقان قيمة مستقلة، منفصلة عن المعنى الإنساني. يمكن لشخص أن يُبهر بـ"سرعة"
قطع رأس طفل بسيفٍ بتّار، فيتحوّل محور الحديث من الجريمة إلى المهارة. تُمحى
الضحية، ويُحتفى بالتقنية. هذا المنطق المقلوب هو ذاته الذي يحكم خطاب الحروب
المعاصرة: لا يُسأل عن مشروعيّة القتل، بل عن "دقة الضربات" و"حسن
استخدام السلاح".
– من هنا، لا تبدو
التهاني السياسية على "الإنجاز العسكري" سوى ترجمة سياسية لمنطق الإتقان
الأعمى. حين يهنّئ ترامب بنيامين نتنياهو على حسن استخدام الأسلحة الأميركيّة في
حرب غزة، فإن التهنئة لا تتعلق بالغاية ولا بالنتيجة الإنسانية، بل بالأداء. كأن
القتل منافسة تقنيّة، لا جريمة يُساءل الضمير عنها.
– فضائح إبستين
تُكمل الصورة من زاوية أخرى. فالقضية لا تتوقف عند شخص، بل عند منظومة صمت وحماية
سمحت بانتهاك الأطفال داخل دوائر نفوذ سياسية ومالية وتكنولوجية. هنا يتكشّف معنى
واحد: النخبة لا ترى الأخلاق شرطًا للقيادة. من يملك المال والمنصة والعلاقات،
يمكنه أن يفعل أو يُخفي ما يشاء. وحين ينكشف، تُدار الفضيحة بدل محاسبة البنية.
– الجامع بين
جزيرة إبستين وساحات الحروب هو تحويل الإنسان إلى مادة: في الأولى مادة استغلال،
وفي الثانية مادة أهداف. وفي الحالتين، يُرفع الإتقان إلى مقام الفضيلة، ويُطلب من
الجمهور تعليق السؤال الأخلاقيّ بدعوى الواقعية أو الفعالية أو "أمن الدولة".
– الأخطر أن هذا
المنطق يجد إعجابًا واسعًا. تُكافأ الفظاظة بوصفها "قوة"، ويُبرَّر
الانتهاك بوصفه "حسمًا"، وتُسخّر القيم باعتبارها عائقًا. هنا يصبح
الإعجاب نفسه فعل تواطؤ: قبول قوة بلا ضمير، ونجاح بلا مسؤولية، وخطاب بلا إنسان.
– الخلاصة قاسية
وواضحة: مَن يفشل في حماية الطفل لا يملك أهلية قيادة العالم، ومَن يحتفي بإتقان
الجريمة — سياسيًا أو عسكريًا — يساهم في إسقاط المعيار الذي وحده يميّز الحضارة
عن الوحشية. حيث الإتقان، حين ينفصل عن القيم، لا يكون فضيلة، بل قناعًا أنيقًا
لانحطاطٍ أخلاقي شامل.
– هذه المرة
القناع فقد الأناقة وأصبح في قمة البشاعة، وسقط الإتقان والإبهار كما سقطت القدرة
على الإخفاء، حيث كل شيء واضح ومَن يريد أن يحفظ مكاناً للتعامل مع الحثالة بصفتها
نخبة يضع نفسه معها في خانة واحدة، تشمئز منها النفوس الطبيعية المفطورة على
معايير أخلاقية إنسانية لا تقبل الجدل والتأويل، وهذه المرّة كل تمجيد للذين سقطوا
سقوطاً مدوياً في مقاييس أن يكونوا مجرد بشر، تحت شعار الفصل المنافق بين السياسي
والشخصي، ليس إلا شراكة في سقوط لا يستحق حتى مجرد النقاش. وها نحن نرى كيف يتكامل
السقوط الأخلاقي السياسي مع السقوط الأخلاقي الشخصي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق