باسم عبد المجيد (كاتب
من صعيد مصر .. بدأ رحلته مع الكتابة في موقع كابوس عام 2012 تحت اسم "باسم الصعيدي" .. يكتب بأسلوبه الذي يمزج بين الرعب
الواقعي والتحليل النفسي والبحث التاريخي .. ليقدّم نصوصًا
تحمل فكرًا أدبيًا عميقًا يكشف الجانب الخفي من الإنسان و الحياة. للتواصل
12bassem22@gmail.com
):
الذين لم يصمتوا .. شهادات من خلف الكفن
المقدمة
عندما يموت الإنسان ..
يظن الأحياء أن الصفحة طُويت وأن الحكاية انتهت.. يشيّعون الجسد ويهيلون التراب
ويعودون إلى بيوتهم حاملين اليقين أن الصمت صار سيد المشهد .. لكن ثمة شيء ما يرفض أن يُدفن ..
أصوات تظل عالقة كالأصداء في الممرات .. تلاحق من بقي .. كأنها تقول
إن الموت ليس خاتمة بل باب آخر .. باب لا يُغلق جيدًا...
في كل حضارة وبلد وزمن
.. هناك شهادات مسجلة .. تقارير رسمية .. أصوات خرجت من وراء الكفن .. ليس كحكاية عجائز أو أسطورة شعبية ..
بل كوقائع لم يجد العلم لها تفسيرًا .. هذه ليست قصصًا .. بل
كوابيس مدونة في الأرشيف.
الشاهد الأول: مكالمة بلا خط هاتف
برلين .. شتاء 1993
كانت هيلغا جالسة على
الأريكة في شقتها الصغيرة .. تحتضن وشاح ابنتها كاترين التي رحلت في حادث سيارة .. الليل
بارد والهواء يلسع زجاج النوافذ ..
وفجأة .. رن الهاتف .. ترددت النغمة كطعنات في صدرها .. لكنها لم
تجرؤ على رفع السماعة...
تركته يرن .. وجهاز
الرد الآلي التقط المكالمة .. وبعد ثوانٍ تجمد الدم في عروقها .. كان الصوت صوت
كاترين نفسها .. مرتجفًا وواضحًا:
"ماما.. لا تبكي.. لم أرحل..
اسمعيني.."
انهارت هيلغا على
الأرض وهي تضغط بيديها على أذنيها كأنها تريد طرد الصوت من رأسها .. لكنها لم تستطع ..
المكالمة مسجلة .. عرضها المحققون على خبراء الصوت .. فجاء الرد أن البصمة الصوتية
مطابقة تمامًا لابنتها .. ولا أثر لأي خط وارد .. لا رقم .. لا مصدر ..
مجرد صرخة خرجت من مكان لا يعترف به الهاتف .
الشاهد الثاني: نداء الطيار المحترق
المحيط الهادئ .. 1944
في سماء الحرب ..
اصطدمت طائرة أمريكية مقاتلة برصاص مضاد للطيران.. اندفعت ككرة لهب نحو المحيط ..
أجهزة الراديو في السفن القريبة بدأت تستقبل نداءً هستيريًا:
"أحترق.. لا أرى.. النجدة..
النجدة.."
المذيع البحري الذي
سجل الإشارة قال لاحقًا إن صوته كان يختنق بالدموع.. كان يسمع الطيار يكرر العبارة
حتى بعد أن اختفت الطائرة من على الرادار.. وبعد دقائق .. انقطع كل شيء...
الغواصة التي عثرت على
الحطام لاحقًا أكدت أن جسد الطيار كان متفحمًا وممزقًا منذ لحظة الاصطدام .. فكيف ظل صوته
يصرخ عبر الموجات بعد أن صار لحمًا محترقًا؟
الشاهد الثالث: همس التابوت في الجيزة
مصر .. 1926
على هضبة الجيزة ..
انشغل العمال برفع غطاء تابوت ضخم .. كان الغبار يملأ أنوفهم والعرق يتصبب من جباههم .. وفجأة .. توقفت الأيدي
.. لأن همسًا خرج من الداخل .. كأنه نفسٌ يتسرب من حفرة مظلمة...
قال أحد العمال إن
الكلمات كانت متقطعة .. لكن جملة واحدة وضحت .. :
"احذروا لعنتي.. فالمفتاح ليس
هنا.."
ارتجفت القلوب وتراجع
الجميع للخلف .. العالم الفرنسي جورج أندريه دوّن الحادثة في مذكراته دون أن يجرؤ على نشرها
على الملأ .. بعدها بيومين سقط أحد العمال مشلولًا لا يقوى على تحريك نصف
جسده .. فانتشرت بين الأهالي أسطورة أن الميت لا يسكت إذا اعتدى أحد على نومه...
الشاهد الرابع: همهمة المشرط
أستراليا .. ملبورن .. 1971
في غرفة عمليات مستشفى
"سانت فينسينت" .. كان الأطباء يلهثون لإنقاذ رجل في منتصف العمر .. لكن القلب توقف .. الخط على الشاشة
تحول إلى خط مستقيم.. أعلن الطبيب الوفاة...
غير أن جهاز مراقبة
القلب ظل يسجل ضوضاء غريبة .. كأنها كلمات مشوهة .. وبعد تفريغ الشريط المغناطيسي
اتضحت الجملة:
"أخبروا ماري أنني لم أغادر.."
الأطباء تبادلوا نظرات
مذهولة .. لم تكن في الغرفة أجهزة ناطقة أو أصوات بشرية .. والأغرب أن اسم "ماري"
لم يكن مسجلاً في الملف الطبي .. لكنها كانت زوجته التي تنتظر في الخارج .. تصلي أن يعود.
الشاهد الخامس: الطفل الذي نادى من القبر
تشيلي .. سانتياغو .. 2005
حين دفنوا الطفل
الصغير .. وضع أحد أقاربه في جيبه جهاز لاسلكي صغير كذكرى أخيرة .. الليل نزل ببطء .. والناس عادوا إلى
بيوتهم يجرّون خطواتهم المثقلة بالدموع...
لكن في منتصف الليل ..
انطلقت إشارة من الجهاز الثاني في البيت .. ارتجف الجميع حين سمعوا صوت الطفل يصرخ:
"أنا هنا.. أخرجوني.. الجو
مظلم.."
ركضوا إلى المقبرة
وحفروا التراب بأظافرهم قبل المعاول .. وحين وصلوا إلى النعش .. كان الجسد باردا .. صامتا .. لكن الجهاز ما زال
يعمل .. كأن الصوت لم يأتِ من جسده بل من مكان أعمق .. مكان
يتجاوز القبر نفسه.
الشاهد السادس: الجملة التي خرجت مع اللهب
موسكو .. 1988
في صالة الحرق ..
وضعوا جسدا مجهول الهوية داخل الفرن المعدني .. أدار العامل المفاتيح .. تصاعد اللهب كوحش أحمر يلتهم الصمت ..
لكن فجأة .. سُمع صوت حاد يشبه العويل .. ثم جملة قصيرة
بالروسية خرجت واضحة عبر مكبر صوت المراقبة : ..
"الموت لم ينهني.. النار لن
تنهي ما بدأت.."
العامل سقط مغشيًا
عليه .. وحين أفاق .. قدم استقالته وهو يرتجف .. كان يردد أن عيني الجثة المفتوحتين ظلتا تحدقان فيه حتى
بعدما أغلقت النار الباب.
الخاتمة .. صدى لا يموت
من برلين إلى موسكو ..
من المحيط الهادئ إلى مقابر الجيزة .. كلها خيوط متفرقة في نسيج واحد .. الصوت لا يموت .. هو
الشيء الوحيد الذي يتحدى الكفن...
قد تكون هذه الأصوات
رسائل .. تحذيرات .. صرخات .. أو حتى لعنات .. لكن المؤكد أنها تمزق جدار الموت وتعود إلينا كالأمواج
المرتدة .. نحن الذين نتوهم أن الصمت أبدي .. بينما الحقيقة أن
الصمت ليس إلا قناعًا هشًا .. خلفه أصوات لم تتعب من الكلام .. ولن تتعب أبدا.
فإذا سمعت يومًا همسًا
لا يشبه أصوات من حولك .. أو رنين هاتف يخرج منه صوت ميت تعرفه .. لا تفكر أن الأمر وهْم ..
بل تذكر أن بعض الكفن ليس محكم الإغلاق .. وأن هناك من الذين لم يصمتوا ..
ما زالوا ينتظرون من يسمعهم.
المصدر:
1..
2.. US Navy
Archives – Incident Report S-1944-7
3.. Georges André –
Excavation Notes, Giza Plateau (1926)
4..
5.. El Mercurio
Newspaper – "Voz
desde








ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق