الأحد، 8 فبراير 2026

إضاءات قرآنية تفسير النور

 إضاءات قرآنية

تفسير النور


فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَ هُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّـهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيی‌ مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّـهِ وَ سَيِّداً وَ حَصُوراً وَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (آل عمران الآية ٣٩)


‏إضاءات:

‏جاء في کتب التاريخ أنّ النبي يحيی عليه السلام  کان يکبر عيسی عليه السلام ستّة أشهر، وکان قد اشتهر في الناس بالطهر والزهد ، فقد کان لإيمانه بابن خالته المسيح عيسی عليه السلام  تأثير عميق علی الناس في توجّههم نحو المسيح. 


والجدير بالإشارة هو أنّ معنی اسمي هذين النبيين (عيسی ويحيی) متشابه وهو (البقاء حيّاً).


‏"الحصور" أصله من الحصر وهو الحبس، يقال حصروني الشيء وأحصرني إذا حبسني، والحصور في اللغة بمعنى الذي لا يأتي النساء كأنه يحجم عنهنّ.


فيحيی عليه السلام كان حصوراً عن إتيان النساء، حيث فسّر البعض ذلک بسبب کثرة ترحاله وأسفاره، بيد أنّ الإمام الباقر عليه السلام قال "عفّة يحيی منعته من الزواج وجعلته يعتزل النساء".

[تفسير مجمع‌ البيان].

‏ 

‏المفاهيم:

‏١ـ الدعاء الخالص النابع من القلب الطاهر مستجاب، «دَعَا زَكَرِيَّا ... فَنَادَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ».

‏٢ـ الأديان السابقة أيضاً عرفت الصلاة، «يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ».

‏٣ـ المحراب وأماکن العبادة تحمل قدسيّة خاصّة. موضع نزول المائدة السماوية؛ «وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا»، إجابة الدعاء، «فَنَادَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ ... فِي الْمِحْرَابِ».

‏٤ـ الصلاة باب تهبط منه الملائکة، «فَنَادَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ وهُو قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ».

‏٥ ـ إرادة الله غالبة علی کلّ شيء. لم تمنع شيخوخة وضعف الأب وعقم الأمّ من الإنجاب، «أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَی».

‏٦ـ أحياناً تکون تسمية بعض الأشخاص من قبل الله تعالی، «يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَی».

‏٧ـ يصدّق الأنبياء بعضهم بعضاً، «مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ».

‏٨ ـ النبي عيسی ليس ابن الله بل آية بيّنة علی قدرة الله، «بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ».

‏٩ـ الله عليم بمصير کلّ إنسان، «سَيِّدًا وحَصُورًا ونَبِيًّا».

‏١٠ـ العفاف وکبح جموح الرغبة الجنسية موضع تکريم وثناء الله تعالی، «وحَصُورًا».

‏بحث هل العزوبة فضيلة؟

‏هنا يتبادر إلی الذهن سؤال يقول: إذا كان «الحصر» هو العزوف عن الزواج، فهل هذا محمدة يمتاز بها الإنسان، بحيث يوصف بها يحيی؟


‏في الجواب قيل : ليس هناك ما يدلّ علی أنّ «الحصر» المذكور في الآية يقصد به العزوف عن الزواج، فالحديث المنقول بهذا الخصوص ليس موثوقا به من حيث أسانيده. فلا يستبعد أن يكون المعنی هو العزوف عن الشهوات و الأهواء و حبّ الدنيا، و في صفات الزاهدين.


‏من المحتمل أن يكون يحيی -مثل عيسی- قد عاش في ظروف خاصّة اضطرّته إلی الترحال من أجل تبليغ رسالته، فاضطرّ إلی حياة العزوبة.  و هذا لا يمكن أن يكون قانونا عامّا للناس. 


فإذا مدحه اللّه لهذه الصفة فذلك لأنّه تحت ضغط ظروفه عزف عن الزواج، و لكنّه استطاع في الوقت نفسه أن يحصن نفسه من الزلل و أن يحافظ علی طهارته من التلوّث. 


إنّ قانون الزواج قانون فطري، فلا يمكن في أيّ دين أن يشرع قانون ضدّه. و عليه فالعزوبة ليست صفة محمودة، لا في الإسلام و لا في الأديان الأخرى.

*** *** ***


الخلاصة:

في هذه الآية تتجلّى رحمة الله وقدرته حين يبشّر زكريا عليه السلام بيحيى، في لحظةٍ تتجاوز قانون  الأسباب، لتؤكد أن المشيئة الإلهية لا يقيّدها عقمٌ ولا وهنٌ ولا زمن.


ويظهر يحيى عليه السلام في الآية رمزًا للنقاء الروحي والعظمة الأخلاقية؛ مصدّقًا بكلمةٍ من الله، متحلّيًا بالسيادة المعنوية، والعفة، والطهارة، في سياقٍ يؤكد وحدة رسالة الأنبياء وترابط نورهم.


أما وصفه بـ«الحَصور»، فليس تمجيدًا لترك الزواج، بل إشادةٌ بسموّ النفس وضبط الشهوة والتحرّر من أسر الهوى. فالفضيلة ليست في مخالفة الفطرة، بل في تهذيبها، ولا في الانقطاع عن الدنيا، بل في امتلاك القلب لها دون أن تمتلكه.


وهكذا تختصر الآية درسًا عميقًا: أن القرب من الله يُثمر طهارةً، وأن العفة شرفٌ روحي، وأن عظمة الإنسان تُقاس بنقاء القلب  لا بمظاهر  الحياة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

السلام عليك يا صاحب الزمان وخليفة الرحمن

 السلام عليك يا صاحب الزمان وخليفة الرحمن