القلادة المتفجرة - قصة المزارعة التي حملت موتها حول
عنقها
في صباح بارد من مايو
في سهول بوياكا الخضراء لم تكن إلفيا كورتيس غيل، المزارعة البسيطة، تفكر في السياسة ولا في
المخدرات ولا في أي شيء آخر مما يشتهر به تاريخ كولومبيا الدموي ...
كانت تفكر فقط في الحليب الذي سيحلب بعد قليل من الأبقار التي اعتادت أسماءها، وفي
يوم آخر يشبه سابقه من أيام الريف الرتيبة ... لم تكن تعرف أن الروتين
حين يكسر فجأة يتحول إلى مسرح للرعب الخالص...
بداية الكابوس
إلفيا كورتيس غيل
في فجر ذلك اليوم، في
مزرعتها المتواضعة قرب بلدة تشيكينكيرا، شمال بوغوتا، اقتحم أربعة رجال مقنعين مسلحين
منزل إلفيا التي كانت تبلغ 53 عاما، وكانت أما لعدة أبناء.
لم يكن امرا متوقعا
ولا منطقيا بالنسبة لهذه السيدة التي تعيش حياة هادئة تعتمد على تربية الأبقار وبيع الحليب
ولا تمتلك حسابات مصرفية ولا أسرار ولا أعداء...
تم تقييد العائلة
بسرعة ودقة باردة. لم يكن الاقتحام فوضويا كان مدروسا كأنهم نفذوا هذا السيناريو من قبل ... ثم جاءت اللحظة
التي تفصل ما قبلها عما بعدها حينما وضعوا حول عنق إلفيا جهازا
متفجرا مصنوعاً من أنابيبPVC وهي مادة بلاستيكية تستخدم عادة في السباكة محشوا بنحو
كيلوغرامين من الديناميت...
لم يكن الجهاز بسيطا.
احتوى على آليات تفجير متعددة
آلية كهربائية تفجر
العبوة عن بعد.
آلية ميكانيكية تنفجر
عند محاولة نزع القلادة أو تحريكها بعنف.
آلية كيميائية صممت لتعمل
كفخ أخير في حال فشل الوسائل الأخرى.
ترك الجناة رسالة
صوتية تطالب بفدية قدرها 15 مليون بيسو كولومبي (حوالي 7,500 دولار آنذاك).
الرسالة لم تكن صراخا أو تهديداً مباشراً بل خطاباً هادئاً مخيفا ... لا شرطة، لا
حيل، المال مقابل الحياة...
رغم التحذير أبلغت العائلة
السلطات سراً. أحياناً الخوف من الموت لا يلغي الإيمان بآخر محاولة.
ساعات الانتظار المرعبة
وصلت الشرطة الوطنية
يقودها خبير المتفجرات الرقيب جايرو هيرناندو لوبيز نقلت إلفيا إلى منطقة مفتوحة
على الطريق بين تشيكينكيرا ومونيكيرا حيث تقل المخاطر على المدنيين جلست هناك على كرسي
بلاستيكي والقلادة حول عنقها كأن الزمن توقف عند تلك النقطة...
الجهاز كان معقدا على
نحو غير معتاد في جرائم الابتزاز الريفية ويشبه أحزمة ناسفة استخدمت في حادثة سابقة ما زاد
من الشكوك والتوتر. كل حركة محسوبة كل نفس مراقب. حتى البكاء كان خطراً
لأن الانقباض اللاإرادي قد يفسر كشد ميكانيكي.
في تلك الساعات حاول
الأبناء والجيران جمع المال. الفدية بدت قريبة على الورق مستحيلة في الواقع. الفقر
لا يملك هامشا للطوارئ.
وسط هذا الصمت الثقيل
سألت إلفيا الخبير لوبيز سؤالاً بسيطاً إنسانياً لا يحمل فلسفة ولا بطولة ... هل
ستتركني أموت؟...
أجابها .. اهدئي يا
سيدتي سنخرج من هذا معًا.
لم يكن وعداً بطولياً
بل جملة قالها إنسان لإنسان آخر كي لا ينهار الاثنان.
النهاية المأساوية
صورة اثناء محاولة تفكيك الطوق
قرابة الظهر وأثناء
محاولة دقيقة لتفكيك الجهاز حدث ما لا يجب أن يحدث انفجار مفاجئ بلا إنذار. في جزء من الثانية انتهت حياة
إلفيا. قطع رأسها فوراً في مشهد صادم خرج عن كل محاولات
السيطرة.
اصيب الرقيب لوبيز
بجروح قاتلة وتوفي لاحقا أثناء نقله إلى المستشفى.
أصيب آخرون الكاميرات كانت حاضرة وبث المشهد عبر التلفزيون
ليشاهده بلد بأكمله وهو يكتشف أن الرعب لا يحتاج حرباً
كي يقع...
لم يكن المشهد دموياً
فقط بل مهينا للمنطق امرأة فقيرة عبوة بدائية وخطأ واحد كلف الجميع حياتهم.
التحقيق...
في الساعات الأولى
وجهت أصابع الاتهام إلى جماعة (FARC)Fuerzas Armadas Revolucionarias de
Colombia – القوات المسلحة الثورية
الكولومبية، وهي حركة مسلحة يسارية كانت لسنوات طويلة حاضرة
في خلفية كل عنف يقع في البلاد حتى أصبح اسمها يستدعى تلقائياً عند أي
جريمة تحمل طابع الرعب. أدى هذا الاتهام السريع إلى تعليق مؤقت لمفاوضات
السلام مع الرئيس آنذاك أندريس باسترانا في لحظة بدت فيها السياسة أسيرة
للذعر أكثر من الحقائق.
لكن الاتهام كان أسرع
من الأدلة. نفت FARC تورطها ومع تقدم التحقيقات تبين أن الجريمة نفذتها عصابة إجرامية محلية بلا
أيديولوجيا ولا خطاب ثوري استغلت الفوضى العامة وأساليب الرعب
المنسوبة للجماعات المسلحة. ذكرت مجموعات مثل Los Conejos وفي عام 2002 حكم على خوسيه ميغيل سواريز جار سابق لإلفيا بالسجن 32 عاما بوصفه العقل المدبر.
أن يكون الجلاد جارا
... هذه ليست تفصيلة ثانوية إنها جوهر القصة.
الإرث الثقافي
صورة من احد مشاهد الفيلم
لم تنس القصة. في عام
2007 ألهمت فيلم PVC-1 للمخرج سبيروس ستاثولوبولوس صور بلقطة واحدة مستمرة بلا قطع بلا راحة ليجبر المشاهد
على مشاركة الضحية زمنها المختنق. لم يكن فيلماً عن السياسة بل
عن الانتظار عن الجلوس في العراء وأنت تحمل موتك حول عنقك.
ما الذي يبقى؟
قصة إلفيا كورتيس ليست
عن عبوة ناسفة فقط بل عن هشاشة الإنسان العادي حين يسحب فجأة إلى قلب العنف. عن
جريمة بلا أيديولوجيا بلا شعارات بلا معنى سوى المال.
هي تذكير قاس بأن
الرعب الحقيقي لا يسكن العناوين الكبرى دائما بل قد يعيش بجوارك يعرف اسمك ويعرف أن صمت الريف أفضل مكان
لإخفاء جريمة!...
المصدر:
Collar bomb - The Guardian
Descartan responsabilidad a FARC en caso de collar‑bomba
— EMOL
PVC‑1 — Wikipedia




ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق