باسم عبد المجيد (كاتب من صعيد مصر..بدأ
رحلته مع الكتابة في موقع كابوس عام 2012 تحت اسم "باسم الصعيدي"..يكتب بأسلوبه الذي يمزج بين الرعب
الواقعي والتحليل النفسي والبحث التاريخي..ليقدّم نصوصًا تحمل
فكرًا أدبيًا عميقًا يكشف الجانب الخفي من الإنسان و الحياة. للتواصل 12bassem22@gmail.com ):
البلوفر الذي أوقف الموت
المقدمة
في ليالٍ شتوية
باردة.. حين يشتد المطر على أسطح الصفيح وتتمايل النوافذ الخشبية تحت صفير الرياح.. يقترب كبار السن من المدفأة..
ويبدأون في إخراج الحكايات القديمة كما يخرجون الجمر من
الرماد.. حكايات لا تجدها في كتب التاريخ ولا في نشرات الأخبار.. لكنها تعيش
في الذاكرة الريفية مثل ندبة قديمة على جسد الأرض.. ومن بين تلك
الحكايات.. هناك واحدة لا تُروى إلا بصوت منخفض وكأنها تخشى أن توقظ شيئًا نائمًا
على القضبان.. قصة طفل لم يكن يعرف عن العالم سوى حدود قريته.. لم يكن
يملك سوى قروش قليلة في جيبه..
وبالرغم من ذلك وجد نفسه في مواجهة كائن معدني ضخم يزأر قادمًا
من بعيد..
وفي تلك اللحظة الفاصلة بين دقة قلب وأخرى.. اتخذ قرارًا غيّر
مصير مئات الأرواح
القصة
في شتاء ستينات القرن
الماضي.. كانت قرية ميت نما في قلب شبرا الخيمة تمضي صباحها ببطء الريف المصري.. الدجاج
يفتش الأرض بأظافره.. رائحة الخبز الساخن تتسلل من الأفران الطينية.. والنساء
يحملن الدلو إلى الطلمبات.. لا شيء يوحي بأن هذا اليوم سيُحفر في ذاكرة
القرية كما تُحفر الأسماء على شواهد القبور
هناك.. وسط الأزقة
الضيقة التي تنتهي عند السكة الحديد.. كان طفل في العاشرة اسمه مجدي فرحات يسير بقدمين
صغيرتين لا تعرفان أن القدر يترصد له.. في يده قروش قليلة أعطتها له أمه لشراء
الخميرة.. في قلبه استعجال طفل يريد إنهاء المهمة ليعود للعب مع أصدقائه..
لكنه لم يكن يعلم أن طريقه هذا سيجعله يقف وجهًا لوجه أمام أكثر المخلوقات
الحديدية رعبًا في مصر
اقترب مجدي من
القضبان.. كان هذا طريقه المعتاد إلى السوق.. لكن عيناه وقعتا على شيء غريب.. كسر عميق في أحد القضبان.. شق أسود
يبتلع الضوء.. كجرح في جسد الأرض.. لم يكن يحتاج إلى مهندس
ليدرك أن مرور القطار فوقه لن يمر بسلام.. كان يعرف بالفطرة أن ما رآه يعني موتًا
جماعيًا يندفع على عجلات
الهواء كان ثقيلاً..
والشتاء يضغط على صدره.. وفي الأفق البعيد صفير القطار يتسلل كإنذار من عالم آخر.. عقله
الصغير صرخ داخله: ماذا أفعل؟..
لكن قلبه لم يمنحه وقتًا للتفكير.. كانت الغريزة أسرع من
الكلمات.. في لحظة خلع البلوفر من فوق جسده.. وبدأ يلوح به
بجنون.. يجري بمحاذاة السكة كمن يطارد الموت نفسه.. يلوّح ويصرخ حتى جف صوته
والوحش الحديدي
يقترب.. ثقيلًا بطيئًا لكنه لا يعرف التراجع.. السائق لمح ذلك البلوفر الصغير يرقص في الهواء.. يداه ذهبتا إلى
المكابح.. العجلات بدأت تصرخ.. والحديد يئن كما لو أنه كائن
يتألم.. القطار توقف قبل الكسر بأمتار قليلة.. وعندها فقط سُمح للزمن أن
يتحرك من جديد
نزل السائق والركاب..
التفوا حول الطفل النحيل الذي يقف مرتجفًا..
البلوفر في يده.. عيناه واسعتان كما لو أنه لا يزال يحدق في
الخطر.. سألوه من أنت؟.. فأجاب بصوت خافت: أنا مجدي.. كنت
رايح أجيب خميرة لماما
في اليوم التالي كانت
الصحف تتحدث عنه.. كتب المطالعة المدرسية وضعت قصته بين صفحاتها لتقول للأطفال أن
البطولة ممكنة.. هيئة السكك الحديدية كرّمته بشهادات استثمار ورحلة إلى أسوان..
الركاب أرسلوا له الهدايا إلى منزله.. والقطارات التي تمر بجوار بيته أخذت
تطلق صافراتها تحية لذلك الطفل الذي وقف أمامها يومًا
إنها القصة التي تبدأ
بطفل ذاهب لشراء الخميرة.. وتنتهي بطفل يوقف الموت وهو يركض على قضبان باردة.. قصة بلا موسيقى تصويرية ولا
شهود سوى الريح وصفير القطار.. لكنها تظل درسًا يقول إن
البطولة ليست في حجم الجسد ولا في عدد السنوات.. بل في تلك اللحظة التي ترى فيها
الخطر وتتحرك
هوامش
الطفل مجدي يستلم جائزة
اللافت أن القصة لم
تتحول إلى حدث تلفزيوني ضخم.. ربما لأن الدولة في ذلك الزمن لم تكن تركز على صناعة الأبطال الأفراد
بقدر ما كانت تحتفي بالبطولة الجماعية.. وربما لأن البطولة
الحقيقية حين تقع في الريف تذوب مع الأيام في الحكايات الشعبية.. وتبقى شاهدة
عليها فقط أصوات القطارات التي تصفر تحية عند مرورها بجوار بيت البطل
بعد الحكاية
تمر السنوات كما تمر
القطارات.. بعضها يتوقف قليلًا.. وبعضها يمضي دون أن يلتفت.. ومجدي فرحات لم يعد الطفل الذي
يركض على القضبان ببلوفره.. صار رجلًا يحمل فوق كتفيه عقودًا من الحياة..
وربما لا يذكره كثيرون خارج قريته.. لكن في ذاكرة أهل ميت نما هو ما
يزال واقفًا هناك.. على حافة السكة.. يواجه ذلك الوحش الحديدي وحده
لم يظهر مجدي كثيرًا
في الشاشات.. لم تلاحقه الكاميرات.. لم يدخل عالم الشهرة كما يفعل أبطال اليوم الذين يصنعون
أمجادهم على مواقع التواصل..
ربما لأنه من زمن لم يكن البطل فيه يبحث عن الضوء.. بل كان الضوء
هو من يبحث عنه.. وربما لأن البطولة الحقيقية حين
تنتهي.. تترك صاحبها يعود بهدوء إلى حياته وكأن شيئًا لم يكن.. بينما يظل
أثرها عالقًا في قلوب من نجوا
المصدر:
البوابة
نيوز.."قصة الطفل مجدي فرحات بطل ميت نما الذي أوقف قطار القاهرة–الإسكندرية"
ليرا
نيوز.."تفاصيل الحادثة وتكريم هيئة السكة الحديد للطفل"
دار
الهلال.."حكاية مجدي فرحات في كتب القراءة المصرية"





ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق