باسم
عبد المجيد (كاتب من صعيد مصر .. بدأ رحلته مع الكتابة في موقع
كابوس عام 2012 تحت اسم "باسم الصعيدي" .. يكتب بأسلوبه الذي
يمزج بين الرعب الواقعي والتحليل النفسي والبحث التاريخي .. ليقدّم نصوصًا
تحمل فكرًا أدبيًا عميقًا يكشف الجانب الخفي من الإنسان و الحياة. للتواصل 12bassem22@gmail.com):
دونالد يطرق الجدران .. شبح لندن المتمرد
المقدمة
يقولون إن الأشباح تكره الضجيج .. لكنها في لندن عام
1956 كانت هي الضجيج نفسه...
في بيتٍ صغير متهالك في شارع "ويكليف رود" بحي
باترسي جنوب العاصمة لندن
.. كانت الحياة تمضي عادية كما يجب .. حتى بدأ
الليل يقرع الجدران...
هناك .. بين طيات اللحاف .. وداخل غرف ضيقة تفوح منها
رائحة الفحم والرطوبة .. ولدت واحدة من أكثر الحوادث غرابة في التاريخ البريطاني:
حادثة
"شبح
باترسي" .. القضية التي حيرت علماء النفس .. والباحثين الروحيين.. والصحف
.. وحتى رجال الشرطة...
كانت تلك الأصوات لا تشبه الرياح .. ولا أنين الأنابيب
المعدنية القديمة .. بل كانت طرَقات متعمدة .. كأن أحدهم يقف في الظلام .. يطرق
بثباتٍ على الجدار ليقول: "أنا
هنا"...
لكن من هذا الذي هناك؟
هل كان شبحًا؟ روحًا عالقة؟ أم عقلًا بشريًا فقد توازنه
في أكثر المدن عقلانية في العالم؟
ومن هنا تبدأ الحكاية .. بخيط صغير من الغموض .. مفتاح
فضي لا يعرف له أحد سببًا...
المفتاح الفضي ..
حين بدأ كل شيء
صورة لشيرلي مع
والدها
في يناير عام 1956 ..
كانت عائلة "هيتشنغز" تعيش حياة بسيطة في منزلها رقم 63 بشارع
ويكليف رود .. الأب "ويليس" يعمل في مترو الأنفاق .. الأم "كاثي"
ضعيفة
الصحة .. والجدة صامتة معظم الوقت ..
والابنة "شيرلي" في الخامسة عشرة من عمرها .. خجولة لكنها
ذكية ومرهفة...
في مساءٍ شتوي بارد .. وجدت شيرلي على وسادتها مفتاحًا
فضيًا صغيرًا لا يخص أي باب في المنزل ..
جربه والدها في كل الأقفال .. فلم يفتح شيئًا .. فقام بوضعه
في الدرج .. لكن المفتاح عاد من تلقاء نفسه في صباح اليوم التالي إلى السرير
ذاته...
ضحك الجميع في البداية .. وقالوا إنها مزحة من أحدهم ..
حتى بدأت الطرقات...
كانت الطرَقات تأتي من داخل الجدران .. من السقف .. من
أسفل الأرضية الخشبية .. كأن أحدًا يعيش بينهم دون أن يُرى...
في إحدى الليالي .. صرخ والد شيرلي حين شعر بقوة خفية
تسحب غطاءه .. كأن شيئًا غير مرئي يعبث
به .. ثم بدأت الأشياء تتحرك: الأكواب تهتز .. المفاتيح تطير
.. والملابس تتناثر...
الشرطة جاءت .. والجار هرب .. والحي بأكمله صار يتحدث عن
"الشيطان الذي يسكن بيت رقم 63"...
رسائل من عالم آخر
المنزل حيث بدأ كل
شيء
في خضم هذه الأحداث
الغريبة .. اقترح المحقق تشيبت طريقة غريبة للتواصل مع الكيان
الغامض .. فصنع بطاقات تحمل الحروف الأبجدية .. ووضعها أمام شيرلي لتسمح
للكيان بالإشارة إليها...
ومع مرور الأيام .. تحول الطرَق على الحروف إلى كتابة
رسائل على الورق..
تتضمن أحيانًا رموزًا غريبة ..
كزهرة الزنبق الفرنسية .. ورسائل قصيرة تبدأ بالتحية
المباشرة: "شيرلي .. لقد وصلت"...
كل صباح كانت الأسرة تستيقظ لتجد أوراقًا متناثرة تحمل
كلمات من عالم لا يفهمه إلا من اختبره بنفسه...
دونالد .. الشبح
الذي يتكلم
الرسائل والخربشات
التي كان الشبح يتركها وراءه
مع مرور الأيام .. بدأت الظاهرة تتخذ شكلاً غريبًا ..
فالطرَقات بدأت تشبه "لغة"...
أحصى الأب عدد النقرات .. فاكتشف أن الروح ترد على
الأسئلة بطريقة ذكية...
وحين سُئلت عن اسمها .. ردت بثلاث طرقات متتابعة .. ثم
خمس .. ثم واحدة .. وبعد فك الشفرة .. تبيّن أن الاسم هو "دونالد"...
من هو دونالد؟
شيرلي ووالدها في
جلسة طرد الارواح في منزلهم .. يبدو ان الجلسة فشلت في تحقيق غايتها
لا أحد يعرف .. لكن الروح كانت تزعم في جلسات التواصل
أنه رجلٌ ميت منذ قرن...
كانت تكتب رسائل على الأوراق والحوائط .. بخطٍ طفولي
غريب .. أحيانًا تُلقي بأغراض من غرفة
لأخرى .. وأحيانًا تهمس في أذن شيرلي بعبارات لا يسمعها أحد سواها...
المحقق الروحي "هارولد تشيبت" من جمعية البحوث
النفسية البريطانية زار العائلة بنفسه .. سجّل
الأصوات .. وراقب الحوادث .. وخرج ليقول جملةً حيرت الجميع:
"ما
رأيته هناك لا يمكن إنكاره .. لكن تفسيره مستحيل"...
وهكذا بدأ الغموض يكبر .. والبيت يصبح مسرحًا لأحداث لم
يعرف أحد كيف تفسر...
النار التي اشتعلت
بلا مصدر
المحقق الروحي هارولد
تشيبت اجرى تحقيقات ميدانية في القضية
ذات ليلةٍ من مارس .. كانت
العائلة تجلس لتناول العشاء حين اشتعلت النيران فجأة في
غطاء سرير شيرلي .. هرع والدها لإخمادها .. فأصيب بحروق في يده...
قالت الصحف في اليوم التالي: "شيطان باترسي يشعل النار
في الفتاة!"...
لكن ما لم تنشره الصحف هو أن النار كانت تشتعل دائمًا
بعد أن يُسمع صوت الطرقات بثوانٍ معدودة
.. كأن اليد الخفية التي تضرب الجدار هي ذاتها التي تشعل
اللهب...
في اليوم التالي .. ظهرت بقع خضراء على الجدران دون
تفسير .. ثم بدأت شيرلي تشكو من حروق على ذراعيها تشبه آثار السجائر...
استدعى والدها الشرطة مجددًا .. لكن رجال القانون وقفوا
عاجزين .. يكتبون تقارير باردة عن "نشاط غير مفسّر"...
محقق الأشباح ..
والرجل الذي تحدث إلى المجهول
القضية نالت شهرة
واسعة
هنا يدخل اسم "أندرو غرين" — أشهر صيّاد أشباح
في بريطانيا وقتها...
كان يؤمن بأن معظم الظواهر الخارقة ليست من عمل الأرواح ..
بل من طاقة نفسية مكبوتة تصدر عن شخصٍ في المنزل دون وعيه...
لكن حين التقى شيرلي .. تغيّر رأيه...
قال لاحقًا في مذكراته:
"تلك الفتاة لم تكن تمثل .. ما شعرت به في حضورها كان أشبه بمجال كهربائي حيّ
يثقل الهواء"...
غرين قضى أسابيع في المنزل .. سجّل طرَقات وأصواتاً ..
وكتب تقارير نشرتها جمعية البحوث النفسية ..
ثم أعلن انسحابه لأن الظاهرة بدأت تتفاعل معه شخصيًا:
كان يسمع صوته يُنادى في الممر حين يكون وحيدًا ..
وتتحرك الكاميرا من تلقاء نفسها أثناء التصوير...
بين العلم والرعب
في خضم تلك الفوضى .. انقسم المجتمع البريطاني:
فريق من العلماء اعتبر الحادثة "هستيريا جماعية"
سببها الضغط النفسي لما بعد الحرب .. بينما
رأى آخرون أنها ظاهرة "بولترجيست" حقيقية — نوع من النشاط
الروحي العنيف المرتبط عادةً بالمراهقين...
من وجهة النظر النفسية .. كانت شيرلي في سنّ حساسة ..
محاطة بأم مريضة وجدّة متحكمة وأب عصبي .. الطاقة العاطفية المكبوتة فيها ربما
وجدت طريقها للخروج في شكل طاقة
سيكوكينية — كما يسميها علماء الباراسيكولوجي — تحرك الأشياء
دون لمسها...
لكن .. هل يمكن للطاقة النفسية وحدها أن تكتب بخطٍ
مختلف؟ أو تشعل النار من لا شيء؟
تقول شيرلي في مذكراتها بعد عقود طويلة .. في كتابها: "أمير
الأشباح في لندن "
"لم
أكن أريد الشهرة .. كنت أريد أن أنام فقط دون أن يوقظني صوت طرقٍ على الجدار"...
اعترافٌ من الماضي
لويس السابع عشر ..
الملك الصغير المفقود
الكيان لم يكتف بالتواصل
الصامت .. بل ادعى أنه ينتمي لعائلة ملكية فرنسية قديمة.. ابن الملك لويس السادس عشر
وماري أنطوانيت .. الذي يفترض أنه مات في السجن خلال
الثورة .. زعم الكيان أنه نجا بطريقة ما .. وأنه يعيش الآن في عالم آخر
.. يرسل رسائله ويشارك أسرارًا عن حياته لم تُسجل في كتب التاريخ...
الغريب أن بعض التفاصيل التي كتبها كانت دقيقة للغاية ..
بحيث أربكت الباحثين وأجبرتهم على
مراجعة سجلات تاريخية .. بينما تحليل الخط أشار إلى أن
يد شيرلي هي التي حملت القلم فعليًا .. كأن الطاقة المكبوتة داخلها كانت تتحرك
عبر الورق...
تصعيد الرعب
بحلول ربيع 1956 .. تحولت الرسائل إلى أعمال عدوانية ..
اندلعت حرائق صغيرة داخل المنزل بلا
سبب واضح .. وأصيب والد شيرلي بحروق غير عادية.. كأنها نتجت عن تماس مع مخالب
غير مرئية...
كما حاول الكيان دفع الجدة على الدرج .. وتحدث أحيانًا
بصوت أمها الراحلة .. ما تسبب في انهيارها الصحي ووفاتها لاحقًا...
تجاوز الكيان حدود المنزل .. إذ ظهر أنه يلاحق شيرلي
خارج الجدران .. في مكان عملها .. اختفت
أدوات الخياطة فجأة .. واتهمها الزملاء بأنها "فتاة مسكونة"
.. وتم طردها .. حتى خلال مقابلة تلفزيونية .. سُمعت أصوات الطرَق تتردد
في الاستوديو .. كأن الكيان يتحدى كل حدود المكان والزمن...
الوداع الأخير
مازال المنزل قائما
حتى اليوم
عندما انتقلت العائلة إلى
منزل جديد عام 1964 .. بدا الكيان وكأنه يلاحقهم.. استمرت الظواهر لعدة سنوات ..
حتى عام 1968 .. حين كتب الكيان آخر رسالة معلنًا فيها رحيله
النهائي...
شيرلي شعرت بالارتياح .. بينما أمها واجهت شعور الفقدان ..
كأنها فقدت صديقًا قديمًا .. وبعد
أكثر من عقد من الزمن من الرعب المستمر .. انتهت الحكاية كما بدأت:
بصمت غامض .. وبيتٌ أصبح مجرد ذكرى مليئة بالصمت المشحون بالغموض...
النهاية .. أو البداية
التي لم تنته
مع حلول الصيف .. بدأت الظواهر تخفت تدريجيًا...
اختفى دونالد كما جاء .. فجأة...
لكن البيت لم يهدأ أبدًا...
الزوار بعد ذلك كانوا يقولون إنهم يسمعون طقطقة خافتة في
الممر ليلًا .. أشبه بيدٍ صغيرة تطرق على الخشب .. مرة واحدة .. ثم تسكت...
شيرلي رحلت عن لندن لاحقًا .. وتزوجت .. لكن حين سُئلت
في التسعينيات عن دونالد .. أجابت بابتسامة باهتة:
"لم
يكن يريد أن يؤذينا .. كان يريد فقط أن نسمعه"...
واليوم .. بعد أكثر من نصف قرن .. ما زال المنزل
رقم 63 في ويكليف رود قائماً .. لا يسكنه
أحد لفترات طويلة .. والجيران يقولون إن الليالي هناك طويلة
على نحوٍ غير طبيعي...
ربما لأن الطرقات القديمة لم تتوقف قط .. بل تعلّمت
الصبر...
من الغموض إلى
الشاشة
شيرلي في احدى
المقابلات التلفزيونية بعد ان تقدم بها العمر
لاحقًا.. استحوذت شركات إنتاج بريطانية
على حقوق القصة لإنتاج مسلسل وثائقي.. مستوحى من الأحداث الواقعية ..
كما نُشرت القصة في كتاب أمير الأشباح في لندن .. لتصبح واحدة
من أكثر الحكايات البريطانية إثارة للدهشة .. تجمع بين الرعب
النفسي .. والظواهر الخارقة .. والتاريخ الغامض...
الخاتمة
قد تختلف التفسيرات .. بين من يرى في شبح باترسي دليلاً
على الحياة بعد الموت .. ومن يراه
نتيجة لعقلٍ بشريٍ يئنّ تحت وطأة الخوف .. لكن الثابت أن شيئًا
ما حدث هناك .. في ذلك المنزل الضيق .. شيئًا غير طبيعي .. ترك أثره في التاريخ
وفي الذاكرة الجماعية...
فالإنسان — كما يقول إياد العطار — لا يحتاج إلى بيتٍ
مسكون ليشعر بالرعب .. يكفيه أن
يكتشف أن عقله نفسه قد يكون هو من يصنع الأشباح...
المصدر
Society for
Psychical Research – Psi Encyclopedia: Battersea Poltergeist (1956)
Shirley Hitchings
& James Clark – The Poltergeist Prince of
History Hit – The
Terrifying Case of the Battersea Poltergeist
Wikipedia – Andrew
Green (ghost hunter)












ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق