الأحد، 25 يناير 2026

الجزء الأخير من موضوع المحو والإثبات

الجزء الأخير من موضوع المحو والإثبات 


‏هنا يأتي السؤال التالي: ما هي الفائدة من هذه البداءات؟


‏الجواب علی هذا السؤال ليس صعبا بالنظر الی ما قلناه سابقا، لانّه تحدث مسائل مهمّة -أحيانا- مثل امتحان شخص مع قومه، او تأثير التوبة و الرجوع الی اللّه (كما في قصّة يونس) او تأثير الصدقة و مساعدة المحتاجين و عمل الخير.


كلّ ذلك يؤدّي الی دفع الحوادث المفجعة و أمثالها، و هذا يعني انّ الحوادث المستقبلية قد نظّمت بشكل خاص ثمّ تغيّرت الشرائط فأصبحت شيئا آخر، حتّی يعلم الناس انّ مصيرهم بأيديهم، و هم قادرون ان يغيّروا مصيرهم من خلال تغيير سيرتهم و سلوكهم، و هذه اكبر فائدة نتحصل عليها من البداء «فتدبّر».


‏فما ورد من انّ أحدا إذا لم يعرف اللّه بالبداء لم يعرفه معرفة كاملة، فهي اشارة لتلك الحقائق.


‏عن الامام الصادق عليه السّلام قال: «ما بعث اللّه عزّ و جلّ نبيّا حتّی يأخذ عليه ثلاث خصال: الإقرار بالعبودية، و خلع الأنداد، و انّ اللّه يقدّم ما يشاء و يؤخّر ما يشاء»

[اصول الكافي، المجلّد الاوّل، صفحة ١١٤ - سفينة البحار، المجلّد الاوّل، صفحة ٦١].


‏و في الحقيقة انّ اوّل عهد مرتبط بالطاعة و التسليم للّه. و ثاني عهد محاربة الشرك، و الثّالث مرتبط بمسألة البداء، و نتيجته انّ مصيره بيده، فيستطيع ان يغيّر الشروط فيشمله اللطف او العذاب الالهي.


‏الملاحظة الاخيرة في هذا المجال .. يقول علماء الشيعة: انّنا حينما ننسب‌ البداء الی اللّه جلّ و علا فإنّه يكون بمعنی «الإبداء» بمعنی اظهار الشي‌ء الذي لم يكن ظاهرا لنا من قبل و لم يكن متوقّعا.


‏و انّ ما ينسب الی الشيعة بأنّهم يعتقدون انّ اللّه يندم علی عمله أحيانا، او يخبر عن شي‌ء لم يعلمه سابقا، فهذه من اكبر التّهم و لا يمكن الصفح عنها ابدا.


‏لذلك‌ نقل عن الائمّة عليهم السّلام انّهم قالوا: «من زعم ان اللّه عزّ و جلّ يبدو له في شي‌ء لم يعلمه أمس فابرءوا منه»

[سفينة البحار، المجلّد الاوّل، صفحة ٦١].


*** *** ***


باختصار :


تكشف آية ﴿يَمْحُوا اللّٰهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ عن بنية دقيقة لنظام التقدير الإلهي، تقوم على الجمع بين ثبات العلم الإلهي المطلق و مرونة عالم الأسباب. فـ أمّ الكتاب تمثّل مرتبة العلم الإلهي المتعلّق بالعلل التامّة التي لا يتطرّق إليها التبديل، بينما يشكّل لوح المحو والإثبات ساحة تحقّق المقتضيات المشروطة، حيث يتجلّى أثر الدعاء، والصدقة، والتوبة، والطاعة، في تغيير المصائر قبل استكمال عللها النهائية.


ومن هنا يتّضح أنّ البداء ليس تبدّلًا في علم الله ولا ظهورَ جهلٍ بعد خفاء، بل هو إبداء لما لم يكن ظاهرًا للخلق، وإعلام عمليّ بأنّ السنن الإلهية لا تعمل خارج دائرة الاختيار الإنساني. فكما جاز النسخ في التشريع مع ثبات العلم الإلهي، جاز البداء في التكوين مع كمال الإحاطة والسبق العلمي.


وبذلك يسقط وهم الجبر، كما يسقط وهم الاستقلال، ويقف الإنسان في موقعه الصحيح: مكلّفًا مسؤولًا داخل نظام إلهي محكم، يعلم أنّ ما كُتب في لوح المحو والإثبات يمكن أن يتبدّل بتبدّل الشروط، وأنّ أبواب الرحمة مفتوحة ما دام السعي قائمًا. وهذا هو جوهر المعرفة بالله بالبداء: توحيدٌ خالص، ورجاءٌ عامل، ومسؤوليةٌ واعية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

السلام عليك يا صاحب الزمان وخليفة الرحمن

 السلام عليك يا صاحب الزمان وخليفة الرحمن