لمى☆:
نيلام كاتارا - الأم المكلومة التي عرّت امبراطورية
الفساد
هل رأيت القطة كيف تخربش وتتحول الى وحش عندما تقترب من
أطفالها، هل رأيت العصفورة كيف
تصرخ وتحوم بجنون إذا لمست عش فراخها .. أنها صرخة الأم في
أشرس لحظاتها. إياك وأن تخطئ التقدير فتظنها مجرد أنثى ضعيفة، ربما هي كذلك
بالفعل، لكن إياك ان تمتحنها في أطفالها، لأنك سترى طودا من العزم والصمود.
وهذا ما فعلته نيلام، تلك الام المكلومة، حين وقفت وحيدة في وجه المافيا
والقضاء الفاسد والحكومة المنخورة بالرشوة في قضية شغلت الهند لسنين.
الحب المرفوض
تبدأ قصتنا الغريبة عام ٢٠٠٢، تحديدا في مدينة غازي أباد
الهندي. الشاب نيتيش كاتارا كان في
الثالثة والعشرين من عمره ولم يكن مثل غيره من الشباب الطائشين،
بل عُرف عنه الهدوء والاحترام، وكان هدفه أن يصبح مدير اعمال ناجح في المستقبل ويصنع
لنفسه سمعة طيبة.
لتحقيق هدفه التحق بمعهد تقنيات الادارة في غازي اباد،
وهناك تعرف على زميلة تدعى بهارتي
ياداف، وكانت علاقتهما عادية ويتشاركان الدراسة معًا، لكن
مع الوقت وتكرار اللقاء اخذت العلاقة منحنى أخر ونشأت علاقة حب كبيرة لدرجة
أنهما لم يكونا يفترقان عن بعضهما الا عند النوم.
لم يكن يقف في طريق هذا الحب سوى عائق وحيد وهو أن اسرة
بهارتي تختلف بشكل كبير عن اسرة
نيتيش، لقد نشأ نيتيش في أسرة متوسطة الحال رغم أن والديه
متعلمين، والدته تعمل مدرسة ووالده مفتش في مصلحة القطارات، ولديه اخ
أصغر منه يدعى نايتن، اما بهارتي فإن أسرتها لم تكن اسرة عادية أبدا، بل إنهم
من أغنى اغنياء الهند، والدها يدعى بي دي ياداف، وهو رجل أعمال معروف
وسياسي قوي جدا، أما اخوها يدعى فيكاس، وهو شاب متهور ينتهج نهج أبوه ويفتعل
المشاكل اينما حل وارتحل دون خوف أو وجل، كيف لا ووالده ينظف من خلفه
على الدوام؟
ورغم نفوذ عائلة بهارتي وأموالهم وسلطتهم الا أن سمعتهم
كانت سيئة، جميع سكان غازي اباد يعلمون
عن تورطهم في أعمال مشبوهة لا يمكن تخيلها، ولديهم سلطة
ونفوذ يحركون الناس بين ايديهم كالدمى كيفما شاءوا ومسمى الخوف غير موجود
في قاموسهم.
كل هذا عرفه نيتيش، لكن ذلك لم يمنعه من الاستمرار مع
بهارتي لأنه كان يراها مختلفة عنهم،
لأنها لم تكن تفرّق بين الغني والفقير، روحها الجميلة وتواضعها
مع الناس هو ما جعل نيتيش يراها بريئة ومختلفة.
تخرّج نيتيش من المعهد واتجه للعمل في شركة كبيرة في
دلهي، وأصبح نيتيش هو المعين الوحيد
لعائلته لأن والده قد تعب مع تقدمه بالسن وتقاعد، ولم يعد نيتيش
يلتقي مع بهارتي التي أصبحت تعمل في احد شركات والدها الكبيرة، لم يعد
يراها ليل نهار لظروف عمله، ومع ذلك حبهما لم ينتهي، بل كانا يتواصلان عن
طريق المكالمات و المسجات، وكانت بهارتي تعبر عن شوقها له من خلال إرسال
باقة ورد فخمة كل يومين او يزيد، لدرجة أن والدة نيتيش المدعوة نيلام استهزأت
بابنها قائلة أنه لو أراد شراء ورد فخم كهذا لن يتبقى شيء من راتبه،
فيرد نيتيش ضاحكا انه استطاع أن يرد الورد بالورد بالفعل.
ورغم أن الام كانت تحب بهارتي جدا وتتمناها زوجة لابنها
إلا انه كان لديها بعض المخاوف
والتساؤلات، كيف لفتاة بمستوى بهارتي أن تتأقلم مع حياتهم
البسيطة؟ ليجيبها نيتيش أنه واثق من حب بهارتي له وأنها ستقنع والدها
لأجل الزواج منه.
لم يكن نيتيش يعلم أن فيكاس عرف كل شيء، عرف عن وجود
علاقة غرامية بينه وبين اخته من خلال
أشخاص كانوا يرونها معه، وقد نقلوا له كل معلومات نيتيش بأمر منه، وقد
صارح أخته بمعرفته عن علاقتهما وأمرها أن تتوقف عن مقابلته لكن بهارتي رفضت بشدة.
رأى فيكاس مدى تعلق اخته الشديد بنيتيش فقرر تسوية الأمر
بنفسه وإرسل تهديدات له مطالبا إياه أن يبتعد عن أخته.
لكن نيتيش لم يأبه بتلك التهديدات لأن حبه لبهارتي كان
أكبر من أي شيء، وقيل انهما تزوجا او ارتبطا، وأصبحا مستقرين، ومن غير المعلوم
بدقة كيف تم هذا الزواج.
اليوم المشئوم
في فبراير/شباط 2002، حضرت بهارتي حفل زفاف صديقها في
الجامعة برفقة زوجها نيتيش، وكان
معهما والدة بهارتي واخوها فيكاس، طيلة الحفل كان الزوجان يتحدثان و
يرقصان ولم يعلما أن فيكاس لا يزال يكن لهما الحقد، كان مع
فيكاس شاب يدعى فيشال، وهو الشقيق الثاني لبهارتي، لم يكن يختلف عن أخوه
في شيء، بل كان كالجرو المطيع في كل ما يفعلونه، فطلب فيكاس منه أن يستدرج
نيتيش نحو الخارج، ولأن فيشال كان مخمورا فقد خشي نيتيش أن يفتعل المشكلات
إن لم يخرج معه، فخرج بهدوء لكنه لم يعد.
في الساعة الثالثة فجرًا تفاجئت نيلام بطرقات على باب
منزلها، تفتح الباب فترى صديق نيتيش أمامها، سألها عن نيتيش لكنها ردت عليه بسؤال:
الم
تكن معه في الحفل؟
رد: بلا ولكن اصطحبه شخص الى الخارج من بعدها اختفى.
خشيت نيلام على ابنها واتصلت ببهارتي فأجابتها الأخيرة
انها تجهل سبب اختفاءه أيضًا، وقد
رأته يخرج مع أخوها فيشال من حفل الزفاف، لكن نيلام لم
تكن تعلم عن التهديدات التي كان يتلقاها نيتيش لذلك لم تتسرع في توجيه اي
تهمة واكتفت بإبلاغ الشرطة عن اختفاءه لكنهم رفضوا البحث عنه قبل مرور ٢٤ ساعة.
بعدها قامت بهارتي بإعطاء رقم والدها لنيلام وطلبت منها
الإتصال به لأنه الوحيد الذي يعرف اين
يختبئ ابنه فيكاس، وبالفعل اتصلت نيلام به مرات كثيرة لكنه لم يرد.
عاودت الأم الاتصال ببهارتي للمرة الثالثة، طلبت منها
بهارتي هذه المرة أن تذهب الى الشرطة
وتقول على لسانها أن فيشال وفيكاس هما أخر من كانا مع نيتيش
وأن أسرتها خطرة للغاية، وبالفعل تغلق نيلام الخط وتبلغ الشرطة فورا ، وبمجرد أن
ذكرت لهم إسم فيكاس ياداف وشقيقه تحركت الشرطة من فورها للبحث عن
الثلاثي المختفي.
الجثة المجهولة
وبعد مرور ثلاثة أيام على اختفاء نيتيش مر رجل بمنطقة شبه
مهجورة وصادف في طريقه شيء كبير
ملقى على جانب الطريق، وحين اقترب تبين أنها جثة محترقة متحللة
تخلو من المعالم وتبعد عن موقع حفل الزفاف مسافة ٨٠ كيلو متر، أبلغ
الشرطة فورا وحضروا الى المكان.
تم نقل الجثة إلى المختبر وتم الإتصال بوالدة نيتيش حتى
تأتي وتتعرف على الجثة، وقفت أمام
الجثة المتفحمة، لم تتمكن من التعرف عليها لكن يد الضحية كانت سليمة،
ونيلام تتذكر ان يدي نيتيش كانت اصغر من يديها وكانت تتذكر
كيف كانت تلصقها بيده، وضعت كفها فوق كفه لتعرف مباشرة انه ابنها نيتيش.
وحين طلبوا منها إجراء تحليل DNA في
غازي أباد رفضت بشدة، لأنها خشيت من أن تقوم عائلة
ياداف بتزوير نتائج التحليل من أجل إبطال إثبات هوية ابنها،
لذلك اشترطت أن تجري التحليل في دلهي بدلا من غازي أباد، وبالفعل اجرت التحليل
ليتضح أنه نيتيش فعلًا، وخرج التقرير ليثبت أن سبب الوفاة هو ضرب قوي لدرجة أن جهازه
الهضمي قد سقط ومن ثم تم حرقه.
وقد انتشر هذا الخبر كالنار في الهشيم وساءت سمعة عائلة
ياداف أكثر وأصبحوا حديث الوسائل
الإعلامية نظرا لتاريخهم الاسود الطويل، حققت الشرطة مع
كل الذين تواجدوا في الحفل، وبخصوص الشهود الذين كانوا يقفون خارج قاعة الحفل كان
عددهم أربعة، قالوا أنهم رأوا فيكاس و فيشال وهما يجبرانه على
الصعود الى السيارة ومن ثم تحركوا بسرعة، لاحقا تراجع ثلاثة منهم عن شهادتهم
وبقي واحد، وعلى هذا الأساس أخرجت الشرطة مذكرة اعتقال رسمية في حق فيكاس و فيشال.
بعد ستة ايام من الجريمة ألقت الشرطة القبض على الأخوين،
في البداية رفضوا الاعتراف، ولكن
بعد ضغط طويل اعترف فيكاس قائلا أنه فعل ذلك من أجل الدفاع
عن شرف أخته، قال أنه غضب حين شاهده يضحك معها في الحفل فطلب من فيشال
أن يستدرجه إلى الخارج، وبمجرد أن رأه يخرج مع أخوه أجبره على الركوب
في السيارة، والمتواجدين في السيارة كان هو و فيشال وسائق الاسرة بالاضافة
الى نيتيش، وصلوا الى المنطقة المهجورة، وهناك اخرج فيكاس المطرقة
وضرب نيتيش عدة مرات على رأسه حتى الموت، ثم سحبوه من السيارة ومشوا
به مسافة عشرين متر ورموه في مكان لا يمكن رؤيته فيه، سكبوا على جثته
البنزين واحرقوه ثم رموا المطرقة بعيدا وفروا هاربين.
الفساد الحكومي في
أنصع صوره!
وقد تم تسجيل الاعتراف بالصوت والصورة لضمان وجود ادلة
مادية على ادانتهم، لكن المشكلة
أنه حين أقترب موعد تحويل القضية الى المحكمة قام المفتش المدعو – أشوك
بهادوريا – بإنكار اعتراف فيكاس بالجريمة رغم انه هو من
تولى التحقيق معه وسجل هذا الاعتراف، لكن الشرطي الذي كان متواجد لحظة اقتياد
المجرمين في المركز أكد أن فيكاس اعترف، سألوه إذًا أين التسجيل؟
قال أن التسجيل بيد المفتش الذي انكر الاعتراف، واتضح أن
ذلك المفتش هو في الحقيقة شريك لوالد فيكاس في أعماله القذرة غير أنه خرج عن صمته
وأنكر
كل ما نُسب إليه.
تم تحويل القضية الى المحكمة، وتبيّن أن التسجيل قد
اختفى والأدلة أصبحت ناقصة، ثم فجأة
تظهر قناة تلفزيونية تقول أنها عثرت على تسجيل الاعتراف وأنها ستعرضه
لتكشف الحقيقة كاملة.
لكن سرعان ان تراجعت القناة واعتذرت قائلة أنه حدث سوء
فهم.
الأم المقاتلة
احتارت نيلام ماذا تفعل وهي ترى حق ابنها يضيع امام
عينيها، القناة التلفزيونية تم
تهديدها واسكاتها والشرطة أيضا فاسدة متآمرة، والمحكمة لا يمكنها
توجيه اي تهمة دون الاستناد على الأدلة المادية، فطلبت نيلام امام الرأي
العام أن يتم تحويل القضية الى محكمة دلهي وذلك لان غازي اباد بأكلمها
تخضع تحت سيطرة عائلة ياداف، وبالفعل تمت إجابة طلبها، من هنا يظهر
شاهد جديد يدعى – أجاي كاتارا – لكنه ليس من أقرباء نيتيش، اتصل بالشرطة
ليدلي بشهادته قائلا أنه في يوم الجريمة تعطلت دراجته النارية فجأة في
منتصف أحد الطرق، وحين نزل ليرى ما الخطب رأى سيارة مسرعة من بعيد، ولأن دراجته
تسد الطريق اضطرت تلك السيارة للوقوف، نزل منها احدهم وافتعل مع
أجاي مشكلة كبيرة، أثناء ذلك لمح ثلاثة أشخاص داخل السيارة، لم يأبه أجاي
في البداية، لكن بمجرد أن انتشرت الاخبار ورأى صورهم عرف ان الذي نزل هو فيكاس،
ونيتيش كان داخل السيارة، وكان معه فيشال وسائقهم الخاص.
بسبب شهادته تعرض أجاي كاتارا لعدة محاولات اغتيال، لقد
قامت عائلة ياداف برشوة أصدقاء
أجاي مقابل تسميمه حتى لا تصل شهادته للمحكمة لكنهم أخفقوا،
والمحاولة الثانية أنه فوجئ بالرصاص ينهمر عليه كالمطر لكنه نجا بأعجوبة، بل إنهم
حاولوا اختطافه ثلاث مرات أو يزيد.
وحين علمت الشرطة بالخطر الذي يحيط به قاموا بتأمين
حراسة على مدار ٢٤ ساعة كونه شاهد مهم في
القضية، لكن هناك شاهد أخر مهم أيضا، إنها بهارتي ياداف التي اختفت،
سألوا والدها فأخبرهم انها ذهبت الى لندن لتكمل تعليمها، على الأغلب أنه تم
ترحيلها الى خارج البلاد من قِبل اسرتها لإسكاتها، وقد تبين أن بهارتي كانت ترسل
رسائل إلكترونية لشقيق نيتيش تخبره فيها عن أن والدها كان مؤيد
لجريمة القتل.
وفي عام ٢٠٠٦ وبعد أن يأست الشرطة من العثور على بهارتي
أبلغت الشرطة اسرتها أنه في حال عدم عودتها من لندن للإدلاء بشهادتها سنعتبرها
مجرمة
قاتلة هاربة من العدالة.
الحب الذي ذهب مع
الريح
على هذا الأساس تم إعادة بهارتي إلى غازي أباد بعد ضمان
عدم احتجازها، لكن الصدمة أنها حين
وقفت أمام القاضي أنكرت كل ما كان بينها وبين نيتيش رغم
أنها في سنة ٢٠٠٢ اعترفت لشرطية بحبها له بعد مقتله، لكنها الأن تنكر قائلة
أنهما كانا مجرد زملاء دراسة لا غير، حتى أنها نفت الرسائل التي كانت تبعثها الى
شقيق نيتيش عن تورط والدها في الأمر، وأضافت أن اخوها وابن عمها
أبرياء فكيف يتم اتهامهم بجريمة كهذه؟
كل هذا حدث أمام والدة نيتيش التي لم تعرف هل تضحك ام
تبكي، لكنها وقفت أمام الجميع في
المحكمة وعرضت كل الصور التي جمعت بين بهارتي ونيتيش، بلغ عددها
٨٩ صورة وقد دلت جميعها على مدى القرب الكبير بينهما لتثبت نيلام أن بهارتي
كاذبة.
اعترفت بهارتي بعدها بأنها اكتفت بإرسال البطاقات
والهدايا فقط، اعتبرت الشرطة ان ذلك هو
السبب وراء دافع شقيقها لقتله، ثم بعد المحكمة وفي عام ٢٠٠٩ تزوجت
بهارتي من رجل أعمال شهير، وقد تم اطلاق سراح فيكاس بكفالة دون سبب
واضح ليستطيع حضور حفل زفافها، وكردة فعل من نيلام وجهت اتهامًا الى السلطات
بحجة تواطئهم مع المجرمين وطالبت بإجراء تحقيق رسمي لعدة مرات وقد تم
إعادة فيكاس الى السجن.
نعود الى الوراء قليلا، أي في عام ٢٠٠٨، لقد تمت محاكمة
كل من فيكاس و فيشال وادانتهما بشكل
رسمي في جريمة القتل العمد لنيتيش، وحصل كل منهما على حكم السجن مدى
الحياة دون إمكانية الإفراج المشروط، وتم الحكم على سائق الاسرة بالسجن ٢٠ سنة
لمشاركته في الجريمة.
النصر المنقوص
لكن فرحة نيلام بهذا الانتصار لم تكتمل، لأنه بعد مرور
سنتين وتحديدا عام ٢٠١١ استئنف
المجرمون الحكم وتم تخفيف العقوبة من السجن المؤبد الى ٢٥ سنة
وخمس سنوات إضافية بتهمة تدنيس الأدلة ليصبح المجموع ٣٠ سنة.
لقد دفع ذلك نيلام الى فقدان عقلها، واتجهت سريعا الى المحكمة
العليا لتقديم التماس، وبدلا
من أن تحصل على تأييد لحكم مدى الحياة فقد تم تجاهل التماسها
تماما، و في سنة ٢٠١٥ تم الاستئناف من جديد وتم تخفيضه الى ٢٥ سنة
لمجمل التُهم الموجهة اليهم، القتل والتدنيس، أي أنه في سنة ٢٠٢٧ سيخرجان
من السجن ، أي بعد سنة من الأن.
المصدر:
Murder of Nitish
Katara






ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق