الجمعة، 2 يناير 2026

إستراتيجية الصين الاقتصادية

 

الأربعاء ٣١-١٢-٢٠٢٥

إستراتيجية الصين الاقتصادية

بمتابعة ما تقوم به الصين في هدوء تام ودون أي إعلان نجد أن إستراتيجيتها الإقتصادية متكاملة ومتسقة مع سياساتها الداخلية والخارجية بشكل يثير الإعجاب والاحترام.

فبينما نجد بلاداً اخرى تقوم بطريقة عشوائية بإصدار تعليمات وقرارات قد تتعارض مع الكثير من الممارسات من جهات داخلية أخرى، إلا أن الصين تمكنت من تكريس كل الجهات الداخلية لديها للإلتزام بسياستها المعلنة والتي كلها تصب في إعداد الصين لتصبح القوى العظمى الوحيدة في الإنتاج الصناعي العالمي.

فتجارتها وتصديراتها ووارداتها كلها متناغمة مع هذا البرنامج.

وقد لاحظنا ذلك في كونها لم تتوقف عن تصدير المعادن النادرة للخارج قبل أن تم تحويل إستيرادها للمواد التي تنقصها من عدة موردين من أصدقاء الصين وأنخفضت نسبة إستيرادها منها من إمريكا من ٩٥٪ إلى ٥٪.

إستراتيجية الصين الإقتصادية للوصول إلى إستحواذها على أكبر قدر من المواد الخام الهامة للتصنيع الحديث تتناغم مع هدفها في إضعاف قوة الدولار العالمية وفي محاصرة أمريكا والتضييق عليها في سلاسل التوريد.

ووضح ذلك جلياً في إيقافها لتوريد المعادن النادرة لأمريكا أو حتى لأي دولة أخرى قد تورد لأمريكا منتج مصنع لديها ولكن به معادن نادرة من الصين.

وهذا حصار قوي جداً لأنه يعني شل قدرة أمريكا على إنتاج أي من المنتجات الحديثة، وخصوصاً في مجالات حيوية مثل الأسلحة والإتصالات والطب حيث تستخدم هذه المعادن النادرة في تصنيع أدواتها.

وكانت آخر ما تفتقده الصين هي الماكينات المصنعة لأحدث الرقائق الإلكترونية، وهذه التكنولوچيا موجودة لدي أمريكا وتايوان.

ولذا كل هذه المشادات بين أمريكا والصين على تايوان.

حتى وصل الحال أن أعلنت أمريكا انه لو تم غزو تايوان من الصين، فأول هدف لأمريكا سيكون لتدمير مصنع تايوان tsmc لتصنيع هذه الرقائق لحرمان الصين من إقتناء هذه التكنولوچيا.

ولكن فاجأت الصين العالم بإقتنائها هذه الماكينات المصنعة وأنها تنوي تصنيع هذه الرقائق داخلياً.

أسلوب الصين في إقتناء المواد الخام هو بالشراء وتكديس المخزون بشكل بدأ يلفت انظار المتخصصين في المجال الإقتصادي.

ففي البرنامج الذي أوردت رابطه (رقم ١) في المقال، يقوم مقدمه بشرح وافي جداً للأسلوب الصيني المستخدم والذي يوفي بمتطلبات الصين من الاستحواذ على أكبر نسبة ممكنة من مخزون هذه المواد الخام وبالطريقة التي يمكنها بها إضعاف الدولار.

"بينما كانت الدول الغربية منشغلة بتقارير الأرباح الربع سنوية ودورات الانتخابات، نتحدث هنا عن استراتيجية وطنية شاملة لتأمين المعادن الصناعية في جميع المجالات. الروديوم، وهو عنصر أساسي في المحولات الحفزية والمعالجة الكيميائية. البلاديوم للإلكترونيات وخلايا وقود الهيدروجين. البلاتين لكل شيء من المعدات الطبية إلى تكرير البترول. عناصر الأرض النادرة التي تبدو غريبة، لكنها بالغة الأهمية للمغناطيس في توربينات الرياح والمحركات الكهربائية. النحاس، الذي يُعدّ ركيزة البنية التحتية الكهربائية، الليثيوم لجميع تقنيات البطاريات، الكوبالت لاستقرار البطاريات ومحركات الطائرات النفاثة، النيكل للفولاذ المقاوم للصدأ وكاثودات البطاريات، وعشرات المواد الأخرى التي لم يسمع بها معظم الناس، لكن لا يمكن للحضارة أن تستمر بدونها. هذا ليس شراءً انتهازياً عند انخفاض الأسعار، بل هو تخزين استراتيجي منهجي من قبل شركات مملوكة للدولة، مدعوم بسياسات حكومية وتمويل غير محدود. من الصعب استيعاب حجم هذا الاستثمار، إذ يتم تخصيص مليارات الدولارات شهرياً وسنوياً بتركيز دقيق. الأدلة واضحةٌ في كل مكانٍ بمجرد معرفة ما تبحث عنه. تحركاتٌ سعريةٌ غير معتادة في أسواق المعادن غير المعروفة. شركاتٌ صينيةٌ تتفوق على الشركات الغربية في مزايداتها على حقوق التعدين في أفريقيا وأمريكا الجنوبية. زيادةٌ هائلةٌ في إنتاج المعادن الصيني ثابتة. احتياطياتٌ استراتيجيةٌ تُبنى تفوق بكثير ما تحتفظ به الدول الغربية. دعوني أوضح الأمر. تسيطر الصين بالفعل على ما بين ٧٠ إلى ٩٠% من معالجة العناصر الأرضية النادرة عالميًا. ليس التعدين، بل حتى لو تم استخراج العناصر الأرضية النادرة في أستراليا أو الولايات المتحدة، فغالبًا ما تُشحن إلى الصين للمعالجة لأن الخبرة والبنية التحتية متوفرة هناك. هذه العناصر، التي تحمل أسماءً مثل النيوديميوم والبروسيوم والتوربيوم، بالغة الأهمية لكل شيء، من شاشات الهواتف الذكية إلى أنظمة توجيه الصواريخ إلى أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي. بدونها، تتوقف التكنولوجيا الحديثة عن العمل، وتتمتع دولةٌ واحدةٌ بسيطرةٍ شبه احتكاريةٍ على سلسلة التوريد. والآن، توسع الصين هيمنتها نفسها لتشمل فئاتٍ معدنيةٍ أخرى بشكلٍ منهجي. إذا سيطرت على المواد، فأنت لا تسيطر على التصنيع فحسب، بل تسيطر على الابتكار نفسه. أنت تتحكم في الدول القادرة على بناء صناعاتٍ متقدمةٍ والدول التي تعتمد عليك للحصول على إذن. هذه قوة اقتصادية لا تتطلب إطلاق رصاصة واحدة أو توقيع معاهدة واحدة. إنها قوة تنبع من التخطيط الاستراتيجي الصبور. وهنا تكمن عبقرية هذا النهج التي يغفل عنها معظم الناس. فكل دولار تنفقه الصين على شراء الموارد المادية هو دولار تحوّله من العملة الأمريكية إلى أصول حقيقية ذات قيمة صناعية جوهرية. فكّر في معنى ذلك. إنهم يتخلصون من العملة الورقية مقابل مواد ملموسة ذات فائدة فعلية في الاقتصاد الحقيقي".

تعتبر الصين واحدة من أكبر الدول التي لديها أذون خزانة أمريكية.

أي انها واحدة من أكبر دائني أمريكا.

ولكن ترى الصين بوضوح أن هذا الدين لن يرد لأن القوة الشرائية للدولار ستتدهور كثيرا في خلال الخمسة أعوام القادمة.

ولذا إتخذت الصين القرار بأنها ستحول كم ديون أمريكا (أذون الخزانة) التي لديها إلى مواد خام يمكن الإحتفاظ بها كمخزون مستقبلي للتصنيع.

ولذا نجد الآن أن الصين تقوم بشراء هذه المواد الخام التصنيعية والدفع بأذون الخزانة الأمريكية.

وبذلك تتخلص من أذون الخزانة التي بدأت طريق الإنحدار، وتجنى السيطرة على مواد خام قد تصبح حيوية لو إندلعت حرباً عالمية.

وبهذا الشراء المحموم فقد دفعت بكميات كبيرة جداً من الدولارات في الأسواق العالمية، وبذلك بدأ إنخفاض قيمته لأنه لم يعد شحيح.

وبذلك ضربت الصين عدة عصافير بحجر واحد.

ويشرح مقدم هذا البرنامج أن الظروف العالمية تحابي الصين في مشروعها هذا، خصوصاً مع الأزمة الإقتصادية التي تمر بها أمريكا والتي تستدعي طباعتها للدولار بشكل أكبر مما يساعد أيضاً في تخفيض قيمته في السوق العالمية.

وأكثر البلاد التي تاثرت بذلك وتقوم بمحاولة إنقاذ عملتها هي اليابان.

حيث يرتبط الإقتصاد الياباني إرتباطاً وثيقاً بالإقتصاد الأمريكي، ولذا لكي تبقى اليابان على قوة عملتها، فعليها فك هذا الإرتباط مما سيتسبب لها في خسارة كبيرة مبدئية.

ولكن الخاسر الأكبر سيكون الدولار.

وهذا تماماً من توده الصين وروسيا وباقي دول البريكس. فعندما تنخفض قيمة الدولار عالميا، ستفقد أمريكا نفوذها على كل الدول المقترضة للدولار والتي كانت أمريكا تتحكم في قراراتها عبر صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

وستتجه هذه الدول للاقتراض من بنك شانغهاي وهو البنك الممول لبريكس، وستكون الشروط للتمويل أحسن بكثير من شروط البنوك الغربية، ولا تتدخل في محاولة السيطرة على القرارات الداخلية للبلاد المقترضة.

ويقدر مقدم هذا البرنامج أن كم الدولارات التي إستخدمتها الصين في اقتناء هذه المواد الخام يقدر ب٥ ترليون دولار.

وهذا بهدوء وبدون أي إعلان من الصين.

ولكن ذلك سيكون له تأثيراً قوياً سيراه العالم إبتداءً من ٢٠٢٦ حيث تبدأ بوادر طرح هذا الكم من الدولارات في الأسواق العالمية يجعله عملة متوفرة ولذا يكسر حاجز "غلو" الدولار الذي كان يعطي أمريكا قوة كبيرة في نفوذها على باقي العالم، خصوصاً المقترضين منها.

وعندما يصبح الدولار متوفر بكثرة، ويضعف أمام باقي عملات العالم، وبالتالي تقل وطأة الديون للبنوك الأمريكية، فيمكن للدول المقترضة رد هذه الديون ودفع خدمة الدين بشكل لا يضر بإقتصادها.

فتكون قد كسبت من ناحيتين بإقتراضها من هذه البنوك.

فالقروض التي أخذتها في الوقت الذي كان فيه الدولار قوي، ساعدتها في بناء إقتصاد صلب يساعدها في المستقبل، وعند دفع خدمة الدين وتسديد أصله يكون الدولار قد فقد الكثير من قوته وبذلك لا يصبح هذا الرد عبأً.

 (١)
https://youtu.be/JbHlk2-jeGw?si=-XXLUdwDeA3u1HS8

ونرى ذلك جلياً بالنسبة لمصر.

فقد إقترضت مصر الكثير من الدولارات في الوقت الذي كان فيها الدولار قوياً، ولكن الآن وبعد أن بدأ إنهيار الدولار، فرد الدين يكون أقل وطأة بكثير عن ذي قبل.

ويمكن لمصر رد هذه الديون بسهولة.

ولذا كان قرار مصر بالإنضمام للبريكس واحد من أهم القرارات الإقتصادية التي إتخذتها مصر مؤخراً.

مع كل المناوشات التي تقوم بها أمريكا، سواء مباشرة مثلما تقوم به في فنزويلا ودول أمريكا اللاتينية، أو عبر وكلائها مثل إسرائيل وأوكرانيا، إنما هي محاولات يائسة لإيهام العالم أنها مازالت الدولة الوحيدة المسيطرة عليه.

ولكن رد فعل كل الدول التي تتحرش بها أمريكا فاضح لحقيقة الوضع.

فنجد فنزويلا مثلاً تقف بالمرصاد أمام أمريكا لأنها مساندة بقوة من روسيا وإيران والصين.

ونجد إيران تتحدى أمريكا وإسرائيل في تحرشهم بها لأنها مساندة من كل من روسيا والصين وكوريا الشمالية.

وعندما يبدأ نتنياهو بإثارة القلاقل في كل من الشرق الأوسط بتحرشاته بكل من إيران وسوريا ولبنان وإكمال إعتدائه على غزة ومحاولاته تطويق كل من مصر والسعودية عبر السودان وإثيوبيا والقرن الإفريقي وجنوب اليمن بإستخدام الإمارات في ذلك، إنما يقوم بالإسراع في توريط أمريكا في الكثير من المشاكل التي تستلزم التمويل القوى، في الوقت الذي تتدهور فيه قوة الدولار، وتستلزم تدفق الأسلحة والذخيرة التي بدأت تنفذ لديها لعدم تأمينها مخزون المواد الخام اللازمة للتصنيع.

كل هذه الظروف تشير إلى الإحتمالية القوية إما لتقلص نفوذ أمريكا ليكون فقط على القطب الغربي، أو لتهور ترامب والإنخراط في عدة حروب في أنحاء العالم والتي ستنتهي بضرب إقتصاد أمريكا في مقتل قد يجعلها تنحدر إلى دولة عادية ولا تبقى حتى من الدول الكبرى، كما حدث لبريطانيا الآن وبعد أن فقدت مكانتها بعد حرب السويس في ١٩٦٤.

نتيجة زيارة نتنياهو لأمريكا سيكون لها تأثير قوي على مستقبل أمريكا الذي سيعتمد على ما سيقرّره ترامب في التعامل مع العالم في ٢٠٢٦.

وبوادره إتضحت مما قاله أنه يدعم إسرائيل لو أرادت ضرب إيران.

هذا ولم تنتهي الزيارة بعد فلا نعرف مدي تورط إمريكا مع إسرائيل في مغامراتها.

حفظ الله العالم من الاشرار ومن ويلات الحروب.

رابط المقال

(١)
https://youtu.be/JbHlk2-jeGw?si=-XXLUdwDeA3u1HS8




https://aidaawad.wordpress.com/2025/12/31/%d8%a5%d8%b3%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d8%aa%d9%8a%d8%ac%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%82%d8%aa%d8%b5%d8%a7%d8%af%d9%8a%d8%a9/

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

السلام عليك يا صاحب الزمان وخليفة الرحمن

 السلام عليك يا صاحب الزمان وخليفة الرحمن