باسم عبد المجيد (كاتب من صعيد مصر..بدأ
رحلته مع الكتابة في موقع كابوس عام 2012 تحت اسم "باسم الصعيدي"..يكتب بأسلوبه الذي يمزج بين الرعب
الواقعي والتحليل النفسي والبحث التاريخي..ليقدّم نصوصًا تحمل
فكرًا أدبيًا عميقًا يكشف الجانب الخفي من الإنسان و الحياة. للتواصل 12bassem22@gmail.com ):
دم الأخت .. حين قتل متولي شفيقة
هل كان قاتلها شهيداً للشرف أم عبداً للعار؟
نبذة عن الفيلم
فيلم شفيقة ومتولي
1978 هو أحد أشهر أفلام السينما المصرية من إخراج علي بدرخان وسيناريو الشاعر صلاح جاهين وبطولة سعاد حسني في
دور شفيقة وأحمد زكي في دور متولي وسمير صبري في دور سي
السيد كما شارك محمود عبد العزيز وأمينة رزق وعبد الله غيث في أدوار محورية
رسمت ملامح الصعيد القديم وأوجاعه.
استند الفيلم إلى سيرة
واقعية من قرية تقع في محافظة قنا بجنوب مصر تعود إلى نهايات القرن التاسع عشر وقد تناقل
الأهالي الحكاية جيلاً بعد جيل حتى صارت جزءاً من الوجدان الشعبي الذي يغني به
الرعاة في ليالي الجنوب الطويلة.
الفيلم يُعد من أوائل
الأعمال التي دمجت الغناء الشعبي بالدراما التراجيدية وترك أثراً بالغاً في الوعي
الجمعي المصري خاصة في طرحه لمفهوم جرائم الشرف.
الشرف لا يُغسل إلا بالدم..حتى لو سال من عنق أختك
هكذا قالوا لنا في الصعيد
ولم يسأل أحد وماذا عن الدمع؟ عن الندم؟ عن الغائب الذي لا يعود؟
في إحدى قرى الصعيد
الجنوبي حيث تنام البيوت على صوت الذئاب وتُخزّن البنادق في كواليس الدواليب كأنها فرد من
أفراد العائلة دارت الحكاية.. أو المأساة كما سماها العجائز.
لم يكن متولي سوى فلاح
بسيط يتيم الأب خشن الملامح كالأرض التي يحرثها أما شفيقة فكانت النقيض التام جميلة كغصن
ياسمين تمشي وكأن النسيم يرافقها تضحك فيذوب الغيم وتغني فينصت الرعاة.. لم
تكن فقط أخته بل كانت ملاذه من قسوة العالم.
لكن الأقدار لا تُحب
القصص الجميلة.
في موسم الحصاد جاء سي
السيد ابن العمدة يبتسم بوجهها ويُرغي بشعره المعطر يعدها بالقاهرة بالحرير
بالحب.. وربما بالزواج.
وضع لها مالاً في يدها
لأول مرة وأهداها مرآة تقول لها أنت أجمل من أن تبقي هنا.
ولأن الفقر أحياناً
يصم العقل رحلت شفيقة لا رسالة لا وداع.. فقط تركت وشاحها الأحمر يتدلى من نافذة
البيت الطيني.
مرت سنوات.
وعاد متولي من الخدمة
العسكرية كبركان محشو بالخذلان.
أمه لا تنظر إليه
الناس تهمس حين يمر الأطفال يغنون على لحن مشوه:
شفيقة في
الحرام..ومتولي نايم في المنام
لم يحتمل لم ينس لم
يسامح ولم يغفر..حتى لها.
سافر إلى القاهرة لم
يكن يعرف شيئاً عن عناوين الكباريهات لكنه سأل.. وسأل.. حتى وصل.
وجدها كانت تضع روجاً
أحمر بلون الوشاح القديم ابتسمت له وقالت: أخويا. فقال: أنا؟ ثم أخرج الخنجر الذي
ورثه عن أبيه وغرسه في قلبها كما تُغرس الشتلات في طين الأرض.
سقطت لكنها لم تصرخ
كانت تنظر إليه بدهشة فقط وكأنها تقول الوجع يأتي من أقرب الناس.
عاد إلى قريته كمنتصر
علّقوا السيوف في المداخل وزغردت بعض النسوة فرحاً بالشرف وذبحوا خروفاً على عتبة
الدار.
لكن أمه ماتت بعدها
بشهر ومات هو بعدها بعام مختنقاً في الحقل دون سبب طبي مفهوم.
يقول أهل القرية إنهم
يرونه ليلاً يركض في الحقول يصرخ باسمها ووجهه مغطى بدم أما شفيقة فشوهدت آخر مرة
قرب الترعة تغني بصوت بعيد:
أنا اللي في الهوا داب
.. ولا حد داري بيّا
هل كانت مذنبة؟
هل كان قاتلها شهيداً
للشرف أم عبداً للعار؟
لا أحد يجيب في هذه
القرية .. لأن كل من فتح هذا الملف لم يُكمل ليلته.
المصدر:
السير
الشعبية في صعيد مصر – مركز توثيق التراث الشعبي
تحقيق
جريدة الأهرام 1971 – جرائم الشرف في الريف الجنوبي
أرشيف
الهيئة العامة لقصور الثقافة – مشروع جمع الحكايات الشعبية 1984




ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق