الاثنين، 29 ديسمبر 2025

كيف يتمدد وينتشر التشيّع في باكستان؟

 


كيف يتمدد وينتشر التشيّع في باكستان؟ 

من أقلية صغيرة إلى طائفة كبرى!


باكستان هي ثاني أكبر دولة إسلامية في العالم من ناحية تعداد السكان، ومعروف تاريخيًا أنّ أغلبية الباكستانيين يتبعون المذهب السني. لكن ما تشهده باكستان اليوم يُعتبر ظاهرة فريدة في العالم الإسلامي: انتشار لافت للمذهب الشيعي الإثني عشري.


في السنوات الأخيرة ارتفعت نسبة الشيعة في باكستان – حسب تقديرات بحثية وإعلامية معتبرة – من حوالي 15% إلى قرابة 20%، وهذا يعني زيادة تُقدّر بالملايين، في بلد تجاوز عدد سكانه اليوم 240 مليون نسمة. نحن نتحدث عن انتقال تقديري من نحو 35–40 مليون شيعي إلى ما يقارب 45–50 مليون شيعي داخل الدولة نفسها.


المفارقة أنّ هذا الارتفاع يحدث رغم التاريخ الطويل للمد الوهابي والسلفي في باكستان. فمنذ السبعينيات، ومع الحرب الباردة ودعم الولايات المتحدة والسعودية للمجاهدين ضد السوفييت، تحولت باكستان إلى واحدة من أكثر ساحات النفوذ الوهابي انتشارًا.


السعودية موّلت آلاف المدارس الدينية، والتقديرات المحلية تتحدث أحيانًا عن 12–15 ألف مدرسة دينية سنية حصل جزء معتبر منها على تمويل خارجي خلال الثمانينيات والتسعينيات. هذا النفوذ غيّر طبيعة التدين التقليدي في باكستان، ورفع حدّة الحساسية الطائفية والتمييز المذهبي، وزاد من احتمالات العنف الداخلي.


تاريخيًا كان في باكستان حضور شيعي كبير متجذّر، نتيجة العلاقة الثقافية والدينية الطويلة مع إيران والهند الشيعية التاريخية، بينما كان السنّة الباكستانيون يتبعون المذهب الحنفي المعروف بمرونته الفقهية والعقلية والاجتهادية مقارنةً بالوهابية ذات الطبيعة المتشددة. دخول الوهابية بقوة حادّة بدّل المزاج الديني، لكن المفارقة أنّها ساهمت أيضًا في خلق رد فعل معاكس داخل المجتمع.


لهذا يبدو صعود النسبة الشيعية ظاهرة غريبة ظاهريًا، لكنها مفهومة إذا نظرنا إلى السياق.


الانتشار الفعلي بدأ يتبلور منذ التسعينيات، خصوصًا مع سياسة الانفتاح الإيراني ودعم المؤسسات الدينية والتعليمية في الخارج. تقارير متعددة تتحدث عن عشرات المؤسسات الدينية الشيعية التي تأسست خلال العقود الأخيرة، وعن زيادة واضحة في البعثات التعليمية والدينية المرتبطة بإيران داخل باكستان، وخاصة في مناطق مثل كراتشي، باراشينار، كويته، وجيلجيت – بلتستان.


وباكستان مثل مصر، تحمل حبًا فطريًا وعاطفيًا عميقًا لأهل البيت، وهذا شكّل أرضية ثقافية ودينية ساعدت في انتشار المذهب.

ومع صعود تنظيم القاعدة ثم الحركات المتطرفة، بدأ جزء من المجتمع الباكستاني يرى أنّ المذهب الشيعي أقرب إلى الاستقرار الديني والاجتماعي، وأكثر انسجامًا مع صورة الإسلام الهادئ غير العدمي، فوجد فيه الشباب خاصةً مسارًا دينيًا مختلفًا.


تقديرات صحفية وأكاديمية تشير أيضًا إلى أنّ المناطق ذات الأغلبية الشيعية تشهد معدلات خصوبة أعلى نسبيًا من بعض المناطق السنية المتشددة، إضافةً إلى التحول المذهبي الهادئ وغير المعلن الذي يحدث داخل بعض الأوساط المتعلمة والطبقات الوسطى.


حتى الحكومة الباكستانية، التي كانت في السابق ترى التمدد الشيعي تهديدًا، بدأت في السنوات الأخيرة تتعامل معه بوصفه عامل توازن يخفف من هيمنة التشدد الوهابي ويعيد قدراً من الاعتدال الديني داخل المجتمع. ومع دخول العقد الأخير أصبح هذا الانتشار ليس فقط ثقافيًا وسياسيًا، بل بات واضحًا على المستوى الديموغرافي العام.


بهذا المعنى، فإن صعود الشيعة في باكستان ليس ظاهرة عابرة، بل مسار تاريخي يتبلور منذ عقود، ونتيجته اليوم هي أنّ باكستان ربما تتحول تدريجيًا إلى واحدة من أكبر البيئات الشيعية في العالم الإسلامي بعد إيران والعراق.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

السلام عليك يا صاحب الزمان وخليفة الرحمن

 السلام عليك يا صاحب الزمان وخليفة الرحمن